الصفحة 13 من 114

ومن المعلوم لأهل العلم أن المنكرات درجات، فما كان منكرًا شبهاتيًا كالبدع، فهو أعظم مما كان منكرًا شهوانيًا كالزنى واللواط، مع أن كليهما من الكبائر. ومع ذلك فإن بعض المسلمين إذا علم بمنكر شهواني هاجت نفسه حتى تبلغ أوجها، واشتدت حماسته حتى تبلغ أقصاها، وهذا خير، لكن إذا علم بمنكر شبهاتي من البدع لم تر الحماسة نفسها، بل لعله يكتفي من الرأس بالهز، ومن اللسان بالاسترجاع. وهذا خطأ شنيع مخالف للأدلة الشرعية، ولما عليه سلف الأمة الزكية، بل إن لسلف الأمة الذين هم خير القرون كلامًا شديدًا في البدع أعظم بكثير من المعاصي الشهوانية بل وسهلوا في المعاصي الشهوانية لا مطلقًا، وإنما مقارنة بالبدع، قال الإمام البربهاري: وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب، فاسقًا فاجرًا صاحب معاصي ضالًا وهو على السنة؛ فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهدًا في العبادة متقشفًا محترقًا بالعبادة صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته؛ فتهلك معه. ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال:"يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان، قال: يا بني! لأن أراك خرجت من بيت خنثى، أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بني زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان"ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر؟! ا. هـ [1]

(1) شرح السنة ص 114 - 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت