قال ابن خزيمة: فهل يخطر - يا ذوي الحجا - ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شبيه بذالك الوجه؟ وهل ها هنا - أيها العقلاء - تشبيه وجه ربنا - جل ثناؤه - الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم، التي ذكرناها ووصفناها ؟ غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم، كما سمى الله وجهه وجهًا، ولو كان تشبيهًا من علمائنا لكان كل قائل: أن لبني آدم وجهًا وللخنازير والقردة والكلاب والسباع والحمير والبغال والحيات والعقارب وجوهًا، قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت . ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه، لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير والقرد والدب والكلب والحمار والبغل ونحو هذا إلا غضب؛ لأنه خرج من سوء الأدب في الفحش في المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله بعد يقذفه ويقذف أبويه . ولست أحسب أن عاقلًا يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب والزور والبهت أو بالعته والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل، ورفع القلم، لتشبيه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا . فتفكروا يا ذوي الألباب: أوجوه ما ذكرنا أقرب شبهًا بوجوه بني آدم أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم؟ فإذا لم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع - واسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم - فكيف يلزم أن يقال لنا: أنتم مشبهة ؟ ا.هـ [1]
(1) كتاب التوحيد (1/ 54 ) .