الصفحة 12 من 151

فقد أمر الله تعالى الأمة في هذه الآية بالدعوة إلى الإسلام، والأصل في الأوامر الوجوب على من خُوطب به بحسب الحال والقدرة، ومما يؤكد ذلك أن الفعل في الآية جاء مقترنًا بلام الأمر، فدل على تأكيد الأمر، ووجوب القيام بوظيفة الدعوة إلى الله بحسب الأهلية والقدرة، فلابد من قيام طائفة من المؤمنين بمهمة الدعوة إلى الله تعالى، بحيث يحصل بقيامهم المقصود، وإلا أَثِم الجميع على التقصير في الواجب.

3 -كذلك فإن الدعوة إلى الله تعالى تلتقي مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدرجة الثانية، وهي درجة التغيير باللسان إذا لم يستطع باليد، كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطِع فبلسانه» [1] ، وهو الجهاد باللسان الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في حديث الخلوف: «ثم إنها تخلف خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ... الخ» [2] .

فإن التغيير باللسان دعوة إلى فعل الواجب الذي ظهر تركه، وترك المُحرَّم الذي ظهر فعله، بذكر دليل وجوب الفعل أو وجوب الترك، ووعظٍ بالترغيب والترهيب، ومجادلةٍ بكشف الشبهات، وإقامة الحق بالحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، وإذا كان تغيير المنكر باللسان واجبًا على من لم يستطع التغيير بيده واستطاع بلسانه، فذلك من أدلة وجوب الدعوة على المعيَّن بحسب أهليّته وقدرته.

فهذه الأدلة ونحوها مما جاء في معناها من نصوص الكتاب والسنة مما لا يتسع المقام لذكره فيها أبلغ الدلالة على فرض الدعوة إلى الله تعالى فرضًا كفائيًا ـ أي: على عامة الأمة ـ، إن قام به من يكفي ويتحقق بهم المقصود سقط الإثم عن الأمة، وإلا أَثِم الجميع.

(1) أخرجه مسلم برقم: (49) .

(2) أخرجه مسلم برقم: (50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت