سبعين من الجنود المدججين بالسلاح، ولكنه الإيمان الذي يصيّر من الجبناء شجعانا، ومن الشجعان أبطالا، ولعل مما يثير العجب أن جميع من استشهد من المسلمين في مؤتة ثمانية، وقيل اثنا عشر.
وأطلع الله سبحانه رسوله على ما جرى فقام على المنبر فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» «1» . ومن يومها قد عرف خالد بسيف الله المسلول، وفي رواية ابن إسحاق:
«ولقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرير من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى» ، ويا لها من عبرة!! فإذا كان بعض التردد من الشجاع المغوار ابن رواحة قد جعله في منزلة دون صاحبيه، فما بالك بمن ينكص على عقبيه مؤثرا الحياة على الشهادة، طمعا في جاه أو مال أو عرض من أعراض الحياة؟!! إن مثله لا يقام له عند الله وزن وإن عرض عند سواد الناس جاهه، وبذّ مال قارون ماله.
وخرج الرسول والمسلمون للقاء الجيش، فجعل الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون لهم يا فرّار، فررتم في سبيل الله، ولكن الرسول العليم ببواطن الأمور، والمقدّر لموقف الجيش قال لهم: «ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله» .
ومع منافحة الرسول عن أصحاب مؤتة قد اعتزل بعض المسلمين في بيته خشية سماع هذه الكلمة الثقيلة على أسماع المؤمنين الشجعان «يا فرّار» . روى
(1) رواه البخاري.