الصفحة 21 من 24

العشرون: أما قول من قال أنه لو كان فعل حاطب كفرا، لما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «خلوا سبيله» ولا نفعه حضور بدر.

فالجواب: أن فاعل الكفر لا يُخلى سبيله وهذا الذي فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر، فإنه لم يخل سبيله إلا بعد سماع عذره وقبوله؛ ولذلك لا يُخلى سبيل فاعل الكفر إلا بعد النظر في انتفاء الموانع وسماع العذر وتوفر الشروط والأسباب. ومعلوم أن من فعل مكفرا لا تحبط أعماله بمجرد فعله، إلا بعد قيام الحجة، أو يكون مما لا عذر فيه. أما الاعتذار لحاطب بحضور بدر فهذا من مزيد إقناع وتطييب خاطر عمر لما لم يقتنع بعدم كفر حاطب، حيث أنه معذور متأول لا يقصد الإضرار بالمسلمين إضافة إلى علم الله بصدقه وصلاح سريرته، واطلاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ثم هو مع ذلك من أهل بدر، والله قد عصمهم من الوقوع في الردة والكفر حتى ولو فعلو مكفرًا؛ فإنه يكون بغير عمد فلا يكفرون به، وقد وقع بعض الصحابة في كفريات وعذروا لجهل، أو تأويل.

الحادي والعشرون: أخيرا أن ما يستند إليه وَيستدل به بعض المخالفين من كلام للإمام الشافعي، وشيخ الإسلام، والشيخ عبد اللطيف آل الشيخ؛ فإنه لا حجة لهم فيه لأن كلام الأئمة في ناقل خبر المسلمين إلى الكفار مثل فعل حاطب. وليس في مَن يُظاهر الكفار ويُقاتل في صفوفهم ضد المسلمين، فكيف يجوز لهؤلاء أن يستدلوا لمذهبهم الفاسد بكلام الأئمة، ثم ألا يخجلون حين يُلبسون على الناس دينهم بالكذب على هؤلاء الأئمة، وتحميل قولهم مالا يحتمل، وإنزالهم منزلة المرجئة، وخارقي الإجماع، وإغفال كلامهم الصريح في المظاهرين والذي أتينا بطرف منه. ثم مع هذا كله لو فرضنا أنهم خالفوا فخلافهم دائر حول الجاسوس وليس المظاهر، ومع ذلك فإن قولهم هذا اجتهاد منهم وهم ليسوا بمعصومين، وقد أخطئوا حيث خالفوا اتفاق الصحابة، وحكم عمر وإقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - له كما تقدم، إضافة إلى أن كلامهم في من فعله كفعل حاطب لا في من حاله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت