وهي صلة بين العبد وربه، وفيها محبة الله ومحبة عباده، ولقد جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين التقوى وحسن الخلق؛ لأن التقوى تصلح ما بين العبد وربه، وحسن الخلق يُصلح ما بينه وبين الناس، فهي توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته، وفي الحديث: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» .
ولقد حار الناس بجميع طبقاتهم وعلى حسب أمزجتهم وميولهم في مكمن السعادة وأين تكون!! فمنهم من رأى أنها في الجاه والمنصب وأن يصبح للمرء عبيدٌ وخدمٌ، ومنهم من رأى أنها في المال والولد والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والحرث والأنعام، ومنهم من رأى أنها في الأكل والشرب والزاد والعتاد فلا جوع ولا حرمان، ومنهم من رأى أنها في العافية والصحة فلا مرض
ولا بؤس ولا سقم، وخاض الناس فيها، وقد أنصف من قال: إن السعادة كل السعادة في تقوى الله.
ولست أرى السعادة جمع مالٍ .... ولكن التقي هو السعيد
نعم هي السعادة الحقيقية؛ فشهوات الدنيا وملذاتها ينغصها كدراتها، ولا تصفو لأحد أبدًا وكلها إلى زوال.
إذا تم شيءٌ بدا نقصه .. ترقَّب زوالًا إذا قيل تمّ ... ودوام الحال من المُحال.
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، فتارة فقر وتارة غنى، وتارة عز وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي وتارة يشمت الأعادي، فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا وهو التقوى. وتقوى الله إن استغنى العبد زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت النعمة، وإن ابتلي حملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه؛ لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة، وهو حارسٌ لا ينام يأخذ باليد عند العثرة، فلازم التقوى في كل حال، فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية، هذا نقدها العاجل والآجل عند الله معلوم.