أي شيء فاتك يا محروم؟! ثم أغلقت الباب وأنا أنظر .. فلم أزل متحسرًا على ما فاتني حتى ألقاه!!
جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني أن لي بدنًا ... لا روح فيه ولي روح بلا بدن
أمشي مع الناس لا للأنس أصحبهم ... لكنني لم أجد أهلي ولا وطني
يا شوق قلبي إلى دار النعيم وكم ... دون الوصول من الآفات والمحن
يا قارب الصبر والأهواء عاصفة ... احمل .. ولا تلقني في لجة الفتن
قال أبو الوليد بن هشام بن يحيى الكناني: غزونا أرض الروم، وكنا نتناوب الخدمة والحراسة، وكان معنا رجل يقال له: (سعيد بن الحارث) قد أعطي حظًا من العبادة، لا تراه إلا صائمًا، أو قائمًا، أو ذاكرًا لله، أو قارئًا للقرآن، فكنت أعاتبه على كثرة اجتهاده، وأقول له: أرفق بنفسك .. فكان يقول: «يا أبا الوليد، إنما هي أنفاس تُعَدُّ، وعمر يفنى، وأيام تنقضي، وما ننتظر إلى الموت .. » .
قال أبو الوليد: فنام سعيد بن الحارث يومًا في خباء، وأنما في الحراسة. فسمعت كلامًا داخل الخباء، فدخلته .. فإذا بسعيد يتكلم في منامه ويضحك!! .. ويقول وهو نائم: «ما أحب أن أرجع .. ما أحب أن أرجع» !! ثم مد يده اليمنى وكأنه يتناول شيئًا .. ثم ردها إلى صدره ردًا رفيقًا وهو يضحك .. ثم وثب من نومه يرتعد .. فأتيته، واحتضنته إلى صدري وهو يلتفت يمينًا وشمالًا حتى سكن .. ثم جعل يهلل ويكبر ويحمد الله.