ثم وقفت أم إبراهيم أمام ولدها وقفة الوداع الأخير .. ودفعت إليه كفنًا وحنوطًا .. وقالت له: يا بني، إذا أردت لقاء العدو، فتكفن بهذا الكفن، وتحنط بهذا الحنوط، وإياك أن يراك الله مقصِّرًا في سبيله .. ثم ضمته إلى صدرها .. وقبلته بين عينيه .. وقالت: يا بني، لا جمع الله بيني وبينك إلا بين يديه في عرصات القيامة!!
قال عبد الواحد: فلما بلغنا بلاد العدو، وبرز الناس للقتال، برز إبراهيم في المقدمة، فقاتل قتالًا شديدًا .. وقتل من العدو خلقًا كثيرًا .. ثم اجتمعوا عليه .. فقتلوه ..
قلما أردنا الرجوع إلى البصرة، قلت لأصحابي: لا تخبروا أم إبراهيم حتى أكون أنا الذي يخبرها، فألقاها بحسن العزاء؛ لئلا تجزع فيذهب أجرها .. قال: فلما وصلنا البصرة، خرج الناس يتلقوننا، وخرجت أم إبراهيم فيمن خرج فلما أبصرتني قالت: يا أبا عبيد، هل قلبت مني هديتي فأهنأ، أم ردت علي فأعزى؟!
فقلت لها: قد قبلت - والله - هديتك، وإن إبراهيم حي مع الشهداء - إن شاء الله - فخرت ساجدة لله شكرًا .. وقالت: الحمد لله الذي لم يخيب ظني، وتقبل نسكي مني .. ثم انصرفت.
فلما كان من الغد أتت إلى المسجد، فقالت: السلام عليك يا أبا عبيد .. بشراك .. بشراك!
فقلت لها: لا زلت مبشرة بالخير.
فقالت: رأيت البارحة ولدي إبراهيم في روضة حسناء .. وعليه قبة خضراء .. وهو على سرير من اللؤلؤ .. وعلى رأسه تاج وإكليل ..