الصفحة 45 من 54

هذا ما قاله أئمة علم الحديث ومقعدوه، أما الكويتب الشانئ فقد أبى إلا مخالفتهم، وتكلم في هذا الفصل بجهل كبير لا يطاق، وخلط تخليطا فاحشا في القواعد العلمية.

والحق أنه في هذا الفصل إنما جارى عبد الحسين شرف الدين الرافضي وتابِعِه أبي رية المصري.

قال بوهندي:"روى الذهبي بسنده قال: سمعت الشعبي يقول: كان أبو هريرة يدلس...قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه؛ فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول.." (128) .

ثم أتبع هذا بشبهات حاصلها:

أن أبا هريرة يدعي الصحبة كذبا، فيخفي شيوخه حتى يقال: إنه صحابي سمع من النبي صلى الله عليه وأله وسلم بنفسه.

أن شيوخ أبي هريرة فيهم الصحابي والتابعي وأهل الكتاب، ولم يسمع ذلك كله من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما كان ينكشف أمره كان يعترف بهذا التدليس. ثم ضرب لذلك مثالا برواية أبي هريرة:"من أصبح جنبا فلا صوم له"، وأنه كان يدعي أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما افتضح أمره برد أم المؤمنين عائشة وأم سلمة عليه؛ اعتذر بأنه سمعه من الفضل بن العباس، ثم رجع عن فتواه - .

والجواب عن هذا من وجوه:

الوجه الأول: أن هذا كلام جاهل أجنبي عن هذا العلم الشريف؛ فإن أول كلمة من كلامه تبين ذلك؛ إذ الذهبي لم يرو شيئا عن الشعبي ... إنما قال:"قال يزيد بن هارون. . . إلخ"، ولو رواه؛ لذكر إسناده منه إليه. فتأمل جيدا ...

الوجه الثاني: قد أجاب الذهبي نفسه عن ذلك كما نقله بوهندي، ورده الحافظ ابن عساكر كما أسنده في تاريخ دمشق (129) ؛ فإنه أصل هذه الرواية، وردها الإمام ابن كثير بقوله:"كان شعبة يشير إلى حديثه: من أصبح جنبا فلا صيام له. فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. . . ثم قال: وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم (130) ."

( 128) "أكثر أبو هريرة"ص 49 .

( 129) "مختصر تاريخ دمشق" ( 29: 198 ) .

( 130) "البداية والنهاية" ( 8: 504 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت