الصفحة 47 من 54

الوجه الرابع: أن أبا هريرة رضوان الله عليه صحابي لا شك في صحبته؛ كما بينت في الصفحات الماضية، وهو عدل ضابط ثقة، لا شك في ذلك، كما أشبعت ذلك بالحجج في ثنايا هذه الأبحاث المباركة.

أما أنه يروي عن صحابة وتابعين وأهل كتاب؛ فهذا من تهويلات هذا الكويتب الجاهل المعتادة، وإلا؛ فحقيقة الأمر أن جل أحاديثه سمعها مباشرة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعضها من صحابة آخرين، كما كان يفعل كثير من الصحابة الآخرين - خاصة من صغر سنه أو تأخر إسلامه.

وقد روى الحاكم في » المستدرك « وصححه على شرط الشيخين عن البراء بن عازب قال:"ليس كلنا سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانت لنا ضيعة واشتغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ؛ فيحدث الشاهد الغائب".

والأمثلة عن الصحابة في رواية الأصاغر عن الأكابر أكثر من أن تحصر، وليس الأمر خاصا بأبي هريرة حتى يجعجع به هذا الشانئ المبطل لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

الوجه الخامس: إن مسألة قضاء من أصبح على جنابة ليومه وهو صائم ليومه؛ إنما كانت فتوى يفتي بها أبو هريرة لحديث سمعه من الفضل بن العباس وأسامة بن زيد وقد كان ذلك حكما شرعيا ثم نسخ بعد ذلك، فلما بلغ أبا هريرة النسخ عن أمي المؤمنين أم سلمة وعائشة رضي الله عنهما رجع إلى الصواب كما هو شأن أي عالم منصف يرجع للحق إذا علم الحكم فيه.

ولم ينفرد أبو هريرة رضي الله عنه بهذه الفتيا، بل قد قال بها بعض أهل العلم ولم يبلغهم حكم النسخ، أو لم يسلموه؛ منهم إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاووس اليماني والحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر. وكان الحسن بن صالح بن حي يستحب لمن أصبح جنبا أن يقضي ذلك اليوم (135) .

فأين هذا من زعم بوهندي من أن أباهريرة تعمد الكذب وألصقه بصحابي مات قديما؛ وهو الفضل، حتى لا يفتضح أمره؟، مع أنه قد رواه - أيضا عن أسامة بن زيد وهو قد مات بعد أبي هريرة بزمن (136) .

( 135) "الاستذكار"لابن عبد البر ( 3: 290 ) . ط العلمية .

( 136) شرح الزرقاني على"الموطأ" ( 2: 216 ) ، و"فتح الباري" ( 4: 146 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت