الصفحة 48 من 54

أما أن هذا الحكم كان في أول الإسلام ثم نسخ؛ فهو الذي عليه جماعة أهل العلم وفقهاء الأمصار، وقد أدخلوا هذا الحديث في حكم المنسوخ كما فعله ابن شاهين في"ناسخ الحديث ومنسوخه"، وأبوبكر الحازمي في"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار"، وسائر شراح الحديث رحمهم الله تعالى.

فأي ذنب لعالم فقيه عمل بما وصل إليه من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما بلغه نسخه؛ رجع عن فتياه؟، اللهم غفرانك من تطاول السفهاء على العلماء، وتجرؤ الجهال للكلام في دينك وشريعة نبيك - صلى الله عليه وسلم -.

وقد أسند الحافظ أبو بكر الحازمي عن الإمام الخطابي أنه قال: فأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا: أن يكون ذلك محمولا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرما على الصائم في الليل بعد النوم - كالطعام والشراب - فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر؛ جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: من أصبح فلا يصوم. أي: من جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزيه صوم غده؛ لأنه لا يصبح جنبا إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطرفة عين. وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه. . . وقد روى عن سعيد بن المسيب أنه قال: رجع أبو هريرة عن فتياه فيمن أصبح جنبا أنه لا يصوم" (137) ."

فصل:

أبو هريرة و الإسرائيليات:

سبق أن ادعى الكويتب بوهندي أن أبا هريرة رضي الله عنه مدلس و أنه دلس شيوخًا له من أهل الكتاب ثم زاد فحددهم بثلاثة و هم بصرة الغفاري، و عبد الله بن سلام، و كعب الاحبار.

و قد تخيل هذا الرجل من رحلة أبي هريرة رضي الله عنه للطور و مناقشاته العلمية لكعب و ابن سلام أسطورة طويلة الذيول و بنى عليها بناء فاسدًا سرعان ما يتهاوى تحت مطارق العلم.

( 137) "الاعتبار"للحازمي ص 346 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت