الصفحة 128 من 152

الجواب:

قد علمت فيما تقدم أن أصل دين الإسلام هو قوله تعالى: {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وأن عبادة الله تعالى وحده يلزم منها مولاة أوليائه الموحدين ومحبتهم ونصرتهم، وكذلك اجتناب الطاغوت يلزم منه بغض أوليائه وأنصاره وأشياعه واجتنابهم وعدم مظاهرتهم أو تكثير سوادهم، حتى يؤمنوا بالله وحده، وعدم الجلوس معهم إذا خاضوا في آيات الله، لقوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} .

على هذا فإن مدح الخطيب الطاغوت على المنبر وأثنى عليه ودعا له بالنصرة والتأييد، فلا يحل الجلوس والاستماع إليه دون إنكار، فضلًا عن الصلاة والاقتداء به، بنص قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ، وبمفهوم قوله تعالى: {واجتنبوا الطاغوت} ، فهذا يشمل اجتناب عبادته أو مدحه أو الثناء عليه أو موالاة أوليائه أو إتباع عبيده وأنصاره.

ومن دعا للطاغوت بالنصرة والتأييد ومدحه وأثنى عليه [1] فهذا من أنصاره وأوليائه، ولا يقال؛ أنه مكره، لأنهم لا يكرهونه على الدعاء بكيفية معينة ولا يكرهونه على مدح الطاغوت، بل لو دعا مثلًا بأن قال: (وفقه الله لتحكيم كتابه، أو لكل خير) ، لأجازوه وتركوه في أغلب الأحوال [2] ، فإن دعا لهم بالنصرة وأثنى عليهم دون إكراه حقيقي فليس من الله في شيء، بل وهو من أوليائهم، لأن التولي؛ هو النصرة باللسان والسنان، وقد قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المحاربة نوعان محاربة باليد ومحاربة باللسان ... ) ، إلى قوله: (وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد) أهـ [الصارم المسلول: ص385] .

(1) تنبيه: قد يصدر"مدح الكفار والثناء عليهم"من بعض الناس لنعمة أنعمها أو منة امتنها عليهم، كما يفعله كثير من العامة، فما دام مدحهم وثناؤهم متوجه إلى تلك النعمة أو المنة لا إلى دينه الباطل وتشريعه الشركي أو حكمه الكفري ونهجه الطاغوتي، فلا يجوز المبادرة إلى تكفير من يفعله بمجرد ذلك، خصوصًا وأن منهم من يستدل بحديث: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) ، فهذا وإن كان جهلًا منهم وغفلة عن طغيان أولئك المجرمين المتسلطين على خيرات الأمة وتلاعبهم بمقدراتها، ثم هم يرضونهم ويضحكون عليهم بفتات الفتات، إلا أن ذلك من المسائل التي لا يجوز المبادرة فيها إلى التكفير دون إعذار وإنذار أو تبين وبيان، فالتجهيل شيء والتكفير شيء آخر؛ وانظر في هذا رسالتنا (الثلاثينية في التحذير من أخطاء التكفير) الخطأ الرابع: التكفير لمجرد مدح الكفار أو الدعاء لبعضهم دون تفصيل.

(2) وهذا لا يفهم منه أننا نقر هذا الدعاء، فالدعاء للسلطان بأي صورة على المنبر ولو كان السلطان مسلمًا موحدًا هو من البدع المحدثة التي لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين، وقد قال الحافظ في"الفتح": (وقد استثنى من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلام لم يشرع في الخطبة مثل الدعاء للسلطان مثلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت