* إعلم رحمنا الله تعالى وإياك أن رأس وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه والعمل به قبل الصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات، هو الكفر بالطاغوت وتجريد التوحيد لله تعالى، فلأجل ذلك خلق سبحانه الخلق وبعث الرسل وأنزل الكتب وشرع الجهاد والاستشهاد .. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: ليوحدون .. وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ..
* وهذا الأمر هو أعظم عروة في عرى الإسلام؛ ولا يمكن النجاة إلا بالاستمساك بها، إذ هي العروة الوحيدة التي ضمن الله تعالى لنا ألا تنفصم .. أما ما سواها من عرى الدين فلا تكفي للنجاة .. قال تعالى: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ .. ) .. وتأمل كيف قدم الله تعالى بالذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان به سبحانه، كما قدم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد، وما ذلك إلا تنبيها على أهميته، إذ لا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت.
* والطاغوت الذي يجب عليك أن تكفر به لتستمسك بهذه العروة العظيمة فتنجو؛ هو كل معبود عبد من دون الله بأي نوع من أنواع العبادة وهو راض بالعبادة [1] فالطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة المخلوق حده الذي خلق له قال تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) .
يقول مجاهد: (الطاغوت: الشيطان في صورة الإنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم) .
ويقول ابن تيمية: (ولهذا سُمّي من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله: طاغوت) الفتاوى (28/ 201) .
ويقول ابن القيم: (الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة) ويقول أيضًا في اعلام الموقعين: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه) أهـ.
* فمن أنواع الطواغيت المعبودة من دون الله في هذا الزمان والواجب على كل موحد أن يكفر بها ويتبرأ من عبادها ليستمسك بالعروة الوثقى وينجو من الخسران المبين؛ الآلهة الزائفة والأرباب المزعومين الذين اتخذهم كثير من الخلق شركاء مشرعين من دون الله وتابعوهم على جعل التشريع
(1) يخرج بهذا القيد كل من عُبِد من الملائكة والرسل والصالحين فلا يقال عنهم طواغيت ولا يتبرأ منهم بل يُتبرَّأ من عبادتهم ومن عابديهم ..