الصفحة 29 من 152

وهذا الخلاف في بطلان الصلاة، مع الاتفاق على تحريمها في مثل هذا، ينسحب أيضًا على الصلاة في المسجد المبني على القبر [1] والصلاة في مسجد الضرار .. ونحو ذلك من المواضع التي ثبت النهي عن الصلاة فيها ..

فمن قال ببطلانها احتج بأن النهي يقتضي الفساد، والصواب أنه ليس كل نهي يستلزم ويقتضي الفساد إلا نهيًا دل على الشرطية بدلالته على الفساد المرادف للبطلان، بكون النهي عن ذلك الشيء لذاته أو لجزء منه، لا لأمر خارج عنه .. والشرط: هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ولذلك فهو لا يثبت بأي أمر واجب أو نهي محرم .. وإنما بدليل صريح يدل على أن المشروط يعدم بعدمه؛ إما بعبارة مفيدة لنفي الذات أو الصحة، كأن يقال: لا صلاة لمن لا يفعل كذا .. [2] أو لا تقبل صلاة من فعل كذا ..

وعلى هذا فإن كان النهي عن الصلاة في مثل تلك الأماكن يستلزم فساد الصلاة أو ردها وعدم قبولها فالتباعد عن مثلها عندئذ شرط لصحة الصلاة .. ولمن ينصر هذا القول ها هنا أن يستدل بحديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) إذ الصلاة في المقبرة والأرض المغصوبة ومسجد الضرار ونحوه ليست من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على الوجه الذي شرعه لنا صلى الله عليه وسلم، فهي على ذلك مردودة ومن شروط العبادة أن تؤدى على الوجه الذي شرعه لنا صلوات الله وسلامه عليه، وهو ما يسمى بشرط المتابعة أو الإتباع .. فالله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم ..

ونحن لم نتعرض لبطلان الصلاة في مساجد اليوم لا قبل هذا ولا بعده، ولا شغلنا أنفسنا بمثله لا في هذا الكتاب ولا في غيره، ومن نسبه إلينا من الخصوم فمفتر كذاب .. وإنما أشرنا ها هنا إشارات إلى خلاف العلماء في أشياء منه .. ومن أراد التفصيل فليراجعه في مظانه ..

(1) ما لم يكن المصلي مشركًا معظمًا لصاحب القبر عابدًا له فلا خلاف في بطلان صلاته لأن الشرك محبط للأعمال كلها.

(2) أنظر السيل الجرار للشوكاني ص157 وص158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت