قد علمت فيما تقدم أن أعظم فرائض الإسلام وأولها هو توحيد الله تعالى بجميع أنواع العبادة والكفر والبراءة من الطواغيت كلها، وأن مدار النجاة على هذه العروة الوثقى التي لا انفصام لها .. فمن تركها أو أهملها وأعرض عنها ولم يستمسك بها كان من الهالكين مهما تعلق بغيرها من العرى الأخرى التي هي دونها .. والتي قد تنفصم ولا تكفي للنجاة ..
فإذا تقرر هذا، فاعلم أن الدعاء للطواغيت أو لبعض أوليائهم وأنصارهم بالعز والنصر وطول البقاء ووصفهم بإمام المسلمين أو بولاة أمور المسلمين وإسباغ الصبغة الشرعية عليهم وإعطائهم البيعة ومنحهم صفقة اليد وثمرة الفؤاد، والرضى بولايتهم الدينية والدنيوية ونحوه؛ منكر عظيم وباطل مبين لا يصدر ممن جرد لربه التوحيد أو شم رائحة الكفر بالطواغيت ..
وأن من استبدل تلك العروة العظيمة التي لا سبيل للنجاة إلا بها، وما تحويه من البراءة والكفر بالطواغيت المختلفة واجتنابها وبغضها وعداوتها، بالدعاء لهم بالعز والنصر وطول البقاء دونما إكراه حقيقي، لا شك أنه غير متبرىء منهم؛ بل هو متول لهم يحب بقاءهم وظهورهم وانتصارهم على الموحدين وأنصار الشريعة الذين هم اليوم ألد أعدائهم .. ويتمنى بقاء دينهم الكفري وحكمهم القانوني الطاغوتي واستمرار خياناتهم وعمالتهم لليهود والنصارى .. وهذا ليس رجمًا بالغيب أو محض الظن والتخمين، وإنما هو حقيقة ما يتضمنه الدعاء بمثل هذا لكل من يعمل على هدم التوحيد وحربه ليل نهار ..
ومعلوم أننا مأمورون أن نحكم بالظاهر، ولم نؤمر بأن نشق عن قلوب الناس لنبحث وننقب فيها عما يضمرون .. [1]
هذا وقد عرفت فيما تقدم أن طريق الأنبياء والمرسلين وملة أبينا إبراهيم تستلزم البراءة والتباعد عن سبيل المشركين، والتقرب إلى الله بمقتهم وبغضهم وعداوتهم وجهادهم، وأن العبد يقترب من الله ومن رضوانه بقدر ما يتباعد عنهم وعن طواغيتهم ومعبوداتهم الباطلة، وما نال خليل الرحمن تلك المرتبة العلية فاتخذه الله خليلا، بل أحب رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نصلي عليه كما صلى الله على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إلا بعداوة المشركين وإسخاطهم، وبعيب آلهتهم وطواغيتهم والبراءة منها وتسفيهها والكفر بها، قال سبحانه عن قوم إبراهيم (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) الأنبياء.
(يَذْكُرُهُمْ) : أي يعيب طواغيتكم ويسفهها ويتبرأ منها ومن عابديها ..
(1) كما في حديثي خالد بن الوليد (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس .. ) وحديث أسامة بن زيد (هلا شققت عن قلبه .. ) كلاهما مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ..