الأصل أن منصب الإمامة بالناس من المناصب الدينية المهمة عند أهل الإسلام .. التي يجب أن يوليها المسلمون اهتمامهم فلا يولون أمر إمامتهم إلا الصالحين منهم كما قيل (إن كنت إمامي فكن أمامي)
يقول السرخسي: (والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خلْقًا وخلُقًا، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا أمر أبا بكر رضي الله عنه أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم: إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس) [1] .
ولكن هذا لا يعني أنه في حال تولي الفساق لهذا المنصب سواء لتفريط المسلمين في هذا الأمر أو لتسلط الطواغيت على أوقاف المسلمين؛ أن الصلاة لا تصح خلف الفساق أو العصاة أو أهل البدع غير المكفرة ونحوهم ..
فكثير من الشباب المتحمس والمبتديء يلج إلى هذا الباب بحماس ويتشدد فيه من غير أدلة وبينات، وترى كثيرا منهم يتركون الصلاة خلف الفساق والعصاة ابتداء بدافع إنكار منكراتهم ثم يؤول الأمر ببعضهم إلى القول ببطلان الصلاة خلفهم بلسان المقال دون أدلة يعتمد عليها، أو بلسان الحال حين يهجرون صلاة الجماعة في المساجد لأن كثيرا من أئمة المساجد في زماننا إلا من رحم الله من الأصناف المذكورة في عنوان هذا المبحث ..
وفي مثل هذا يقول العلامة ابن القيم: (وإذا عمَّ الفسوق وغلب على أهل الأرض فلو مُنِعت إمامة الفُسَّاق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعُطّلت الأحكام وفَسَد نظام الخلق، وبطلت أكثرالحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح) [2] .
والقاعدة الفقهية التي هي عمدة هذا المبحث هي تلك التي يذكرها العلماء استنباطا من استقرائهم لأدلة الشرع في هذا الباب، والتي ذكرها الشوكانى في نيل الأوطار في باب إمامة الفاسق: (كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره) .
أي صحت إمامته وجاز الائتمام به،
وقال الشوكاني: [والحق جواز الائتمام بالفاسق لأن الأحاديث الدالة على المنع كحديث: (لا يؤمنكم ذو جراءة في دينه) وحديث: (لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمنًا) ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة وكذلك الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق كحديث: (صلوا مع من قال لا إله إلا اللَّه)
(1) المبسوط ج1/ 40 للسرخسي.
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 220