وحديث: (صلوا خلف كل بر وفاجر) ونحوهما ضعيفة أيضًا ولكنها متأيدة بما هو الأصل الأصيل وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض، وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة وليس المقام مقام بسط الكلام في ذلك.] نيل الأوطار 2/ 28.
وقال الشوكاني أيضًا [ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًا ولا يبعد أن يكون قوليًا على الصلاة خلف الجائرين لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى، وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج، وأخرج مسلم وأهل السنن أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، ولأنه قد ثبت أنه أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يارسول الله فما تأمرنا؟ فقال: صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة. ولا شك أن من أمات الصلاة وفعلها في غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبي بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك. قال الأمير اليماني بعد ذكر هذا الحديث: فقد أذن بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلة؛ لأنهم أخرجوها عن وقتها. وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورا بصلاتها خلفهم فريضة .. والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره وقد اعتضد هذا الأصل بما ذكر المصنف وذكرنا من الأدلة وبإجماع الصدر الأول عليه وتمسك الجمهور من بعدهم به فالقائل بأن العدالة شرط ... محتاج إلى دليل ينقل عن ذلك الأصل] نيل الأوطار 3/ 185 - 186.
أما حديث مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر). فرواه أبو داود، ورواه الدارقطني بمعناه، ورواه البيهقي وغيره بلفظ (صلوا خلف كل برٍ وفاجر وصلوا على كل برٍ وفاجر وجاهدوا مع كل برٍ وفاجر) . فهذا الحديث حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، قال الدارقطني: ليس في هذه الأحاديث شيء يثبت، وقد فصَّل الزيلعي الكلام على هذا الحديث في نصب الراية 2/ 26 - 29.
والتحقيق أنه لا دليل على عدم صحة الصلاة وراء الفاسق أو الظالم أو الجائر أو المبتدع بدعة غير مكفرة وحديث"لا يؤم فاجر مؤمنًا"لا يصح أيضًا كما بينه علماء الحديث .. وكذا حديث"اجعلوا أئمتكم خياركم"إسناده ضعيف جدًا كما ذكر العلماء، قالوا: ولو صح فلا دليل فيه إلا على وجوب اختيار الأئمة من الأخيار وهذا شيء، وبطلان الصلاة وراء الفاسق شيء آخر ..
ولذلك فالصحيح الواضح والراجح من أقوال أهل العلم أن الصلاة تصح خلف الفاسق وعلى هذا جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في المعتمد عندهم وهو رواية في مذهب الحنابلة وهو قول أهل الظاهر، ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - صاحب العقيدة الطحاوية: [ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم] .