الصفحة 50 من 152

وفي أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي بعد أن ذكر اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (2/ 154) قال سفيان في آخره لشعيب بن حرب: (يا شعيب: لا ينفعك ما كتبت حتى ترى: الصلاة خلف كل بر وفاجر والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل، قال شعيب: فقلت لسفيان يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة) [1] . ومجرد تجويزه بعض الصلاة خلفهم بل جعله ذلك شرطا في انتفاع من يتحرى عقيدة أهل السنة كاف للتدليل على ما نقول؛ وأما تفريقه بين الجمعة والعيدين وبين سائر الصلوات فسيأتي توجيهه.

ويقول ابن حزم في المحلى (3/ 129) : (ما نعلم أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج؛ ولا فاسق أفسق من هؤلاء. وكل هذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان) اهـ.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد كان يشرب الخمر، وصلى مرة الصبح أربعًا وجلده عثمان بن عفان رضي الله عنه على ذلك، وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد [2] وداعيًا إلى الضلال (إهـ. الفتاوي (3/ 281 (.

وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي في شرح كلمة أبي جعفر الطحاوي أعلاه: (وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا، وفي صحيحه أيضًا أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: قال:(يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطأوا فلكم وعليهم) وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم: قال: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله) أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها.

اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقًا باتفاق الأئمة وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد بل يصلي خلف المستور الحال ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها فإن الصحابة رضي

(1) وذكرها الذهبي في تذكرة الحفاظ (1/ 207) وقال عقبها: وهذا ثابت عن سفيان)

(2) سيأتي الكلام على إلحاد المختار ابن أبي عبيد وترجيح أن الصحابة إنما صلوا خلفه قبل ظهور إلحاده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت