الأَصْلُ فِي الدُّنْيَا هُوَ الابْتِلاَءُ
اعْلَمْ -زَادَكَ اللهُ عِلْمًا وَفَضْلًا وَصَبْرًا- أَنَّ الأَصْلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الابْتِلاءُ وَالمُكَابَدَةُ وَالشَّقَاءُ، قَالَ اللهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ فِي سُورَةِ البَلَدِ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد4] وَلَمْ يَقُلْ: مُكَابِدًا؛ وَإِنَّمَا فِي كَبَدٍ، نَقُولُ مَثَلًا: يَعِيشُ السَّمَكُ فِي المَاءِ. أَي: مَغْمُورٌ فِي المَاءِ مِنْ رَاسِهِ إِلَى أَخْمُصِ قَدَمَيْهِ، وَأَنْتَ -كَذِلِكَ- مَغْمُورٌ فِي الشَّقَاءِ وَالمُعَانَاةِ، فلا مَفَرَّ مِنَ الانْغِمَاسِ فِيهَما، وَكَبَد في الآيَةِ مَعْنَاهَا: يَشْقَى وَيُعَانِي وَيُكَابِدُ مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الآخِرَةِ، قَدْ فِي الآيَةِ: حَرْفُ تَحْقِيقٍ؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ المَصَائِبِ وَالشَّدَائِدِ، وَهَذا دَلِيلٌ ثَانٍ مِنَ القُرْآنِ؛ يُؤَكِّدُ لَكَ وُقُوعَ الابْتِلاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} [الإنسان2] انْظُرْ إِلَى قَوْلِ رَبِّكَ: {نَبْتَلِيهِ} أَيْ: نَخْتَبِرُهُ وَنَمْتَحِنُهُ، فَهَذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ، فَقَدْ يَنْعَمُ الإِنْسَانُ وَيَسْعَدُ، وَلِكنَّ النَّعِيمَ وَالسَّعَادَةَ شَيْئَانِ طَارِئَانِ غَيْرُ دَائِمَيْنِ، يَسْعَدُ الإِنْسَانُ بِأَوْلادِهِ، ثُمَّ يُفَارِقُهُم أَوْ يُفَارِقُونَهُ قَبْلَهُ، وَيَنْعَمُ الإِنْسَانُ بِمَالِهِ الكَثيرِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ أَوْ يُضَِيِّعُهُ، ويَفْرَحُ الإِنْسَانُ بِمَنْصبِهِ الكَبِيرِ، ثُمَّ يُفَارِقُهُ إِلَى لِقَاءِ مَوْلاهُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا المَنْصبُ سَبَبًا فِي دُخُولِهِ النَّارَ .. عَجِيبٌ أَمْرُ هَذَا الإِنْسَانِ؛ فَكَمْ يَفْرَحُ الإِنْسَانُ -كَثِيرًا- بِأَشْيَاءَ؛ رُبَّمَا تَهْوِي بِهِ إِلَى الهَاوِيَةِ! وَالعِيَاذُ بِاللهِ، إِذًا .. السَّعَادَةُ وَالنَّعِيمُ غَيْرُ مُؤَصَّلَيْنِ.
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّد ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ المَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
اصْبِرْ كَمَا صَبَرَ الكِرَامُ فَإِنَّهَا ... نُوَبٌ تَنُوبُ اليَوْمَ تُكْشَفُ فِي غَدِ
وَإِذَا أَتتْكَ مُصِيبَةٌ يُرْثَى لَهَا ... فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد
النَّعِيمُ الحَقِيقِيُّ هُوَ نَعِيمُ الجَنَّةِ الخَالِدُ العَظِيمُ