الصفحة 5 من 59

نعم .. لسنا نحن المسلمين الذين نقول إن الدين الذي اعتنقته أوربا لم يكن دين الله المنزل على عيسى عليه السلام، إنما يقوله مؤرخهم وكتابهم، ويقوله كل من يعرف حقائق التاريخ.

ولقد كان مدى التحريف هائلًا جدًا في ذلك الدين الذي اعتنقته أوربا وظنت أنه دين الله.

ولم يكن التحريف في مجال العقيدة وحدها - وهو خطير في ذاته - ولكنه وقع في أمر آخر لا يقل خطرا عن العقيدة، هو فصل العقيدة عن الشريعة، وتقديم الدين للناس كأنه عقيدة فقط بغير تشريع!

وقد كان لهذا آثار بالغة الخطورة في حياة أوربا .. السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية .. وفي كل اتجاه.

لقد أشار"ويلز"إلى أن الدين قد تحول على يد بولس من بساطته وصفائه الذي جاء به عيسى ابن مريم إلى دين"المذابح والكاهن"الذي كان قائما في الديانات الوثنية السابقة .. وذلك حق .. وهو ذو صلة بالتحريف الذي أحدثه ذلك اليهودي المتنصر الذي دخل النصرانية ليفسدها من الداخل [1] ، كما فعل عبد الله بن سبأ بعد ذلك بعدة قرون حين دخل الإسلام ليحاول إفساده من الداخل، ولكنه لم ينجح كما نجح شاول من قبل، لأن الله تكفل بحفظ رسالته الخاتمة، ببينما وَكَلَ حفظ الرسالات السابقة للبشر فضيعوها:

(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ... ) [2] .

)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [3] .

وفرق كبير بين حفظ الله واستحفاظ البشر. فالكتاب الذي تكفل الله بحفظه قد بقي كما أنزل بغير تحريف، فظل قائما ليطبق في واقع الأرض، وليرجع الناس إليه كلما همّ أحد أن يحدث تغييرا في أصول الدين، بينما حرفت الكتب الأخرى التي وكل حفظها إلى البشر، وسهل على أصحاب الأهواء - ومن بينهم ذلك اليهودي المتنصر - أن يحدثوا في دين الله ما ليس فيه، كما تبين من شهادات الذين استشهدنا بهم آنفا من الكتاب النصارى أنفسهم.

وكما قلنا لم يكن التحريف مقصورا على العقيدة (تأليه عيسى، وادعاء بنوته لله سبحانه وتعالى، وضم إله ثالث إليهما ليصبح الإله ثلاثة في واحد: الأب والابن وروح القدس) إنما أضيف إليه فصل العقيدة عن الشريعة، وتقديم الدين للناس عقيدة بلا شريعة، تحت شعار لا سند له من دين الله المنزل، قوامه"أدِّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله!" [4] .

ومن شأن الدين المحرف على هذا النحو أن يتحول علماؤه - أو رجاله - إلى كهنة، وأن يتحول الكهنة مع الزمن إلى وسطاء بين البشر وبين الله، فيكون لهم سلطانٌ طاغٍ على أرواح الناس ..

إن لكل دين"رجالا"مهمتهم أن يتفقهوا في الدين ليعلموا الناس أمور دينهم التي لا يستطيعون أن يتعرفوا عليها بأنفسهم، فيتعلموها على يد أولئك الذين تفقهوا فيها.

(1) أشرنا إلى شاول وقصة دخوله في النصرانية في كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"ص 76 ويراجع في ذلك كتاب".محاضرات في النصرانية"لمحمد أبو زهرة.

(2) سورة المائدة [44] .

(3) سورة الحجر [9] .

(4) أشرنا إلى هذه المقولة المنسوبة للمسيح في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"ص 16، وقلنا إنه يتعذر توثيق نسبتها إلى المسيح، وإنها حتى لو ثبتت نسبتها إليه فلا يمكن أن يكون المقصود بها إعطاء قيصر حق التشريع من دون الله، إنما يقصد بها عدم الدخول في معركة مع القيصر في فترة الاستضعاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت