تحقق للأمة السيادة والمنعة والقوة . وتحقق لها لأول مرة في التاريخ معنى"الأمة"، التي تجمع شعوبا مختلفة ، وأجناسا مختلفة ، ولغات مختلفة ، يرتبطون كلهم برباط واحد هو"الإسلام"، وإن تباعدت المسافات بينهم ، وإن اختلفت علاقات الحكام بعضهم ببعض ، فرباط"الإسلام"الذي يوحد قلوبهم ومشاعرهم أقوى في نفوسهم من كل ما يسبب الفرقة أو الخلاف . منه يتخذون عقيدتهم ، ومنه يستمدون أنماط حياتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم وتوجهاتهم العامة ، وإن كان لكل شعب خصوصياته ، ولكل فرد خصوصياته .
وتحقق لها الرخاء الاقتصادي الناشئ من سعي المسلمين في فجاج الأرض ، ينشرون فيها النور ، ويكشفون مجاهيلها ، ويعمرونها ، تحقيقا للتوجيه الرباني:
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (1) .
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (2) .
وتحقق لها نشاط فكري وعقلي وعلمي غير مسبوق ، يزخر به إنتاج تلك القرون - قرون التمكين - في اتجاهات متباينة: في الفقه والأصول ، في التاريخ ، في الطب والفلك والرياضيات ، في الرحلات والكشوف الجغرافية ، وفي كل منحى من مناحي الحياة الموّارة الدفاقة ، التواقة إلى المعرفة ، التواقة إلى تحقيق الخلافة الراشدة في الأرض:
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (3) .
وتحقق لها وجود حضاري واسع ، لا ينحصر في الإنتاج المادي والحضارة المادية ، من إنشاء مدن وعمارة مبان وتوفير طرق ، وفنون إدارة ، إنما يحقق المعنى الجوهري للحضارة أي الارتقاء"بالإنسان"ليكون جديرا بالتكريم الرباني: الارتقاء به عقيدة ، وأخلاقا ، وسلوكا ، وفكرا ، ومعرفة ، ينبع منها النشاط المادي ، ولا تنحصر فيه .
(1) سورة الملك [15] .
(2) سورة هود [61] .
(3) سورة البقرة [30] .