إن الأمرين معا موجودان اليوم في الساحة ! وإثبات وجود أحدهما ليس على الإطلاق نفيا لوجود الآخر ! لأنهما ليسا متعارضين ، بل هما متصاحبان متعانقان ! فتقصير الأمة الإسلامية حقيقة واقعة ، ومؤامرة الغرب على الإسلام حقيقة واقعة لا ينكرها إلا مغالط . وكلاهما يتفاعل مع الآخر . فلولا تقصير الأمة الإسلامية ما استطاع الغرب الصليبي أن ينفذ مؤامرته ضد الإسلام ، ولولا المؤامرة ما أحبطت كل المحاولات التي تقوم بها الأمة لمعاودة النهوض من كبوتها .
والحديث النبوي الشريف الذي صدرنا به هذا البحث يشير إلى الأمرين معًا متصاحبين متعانقين: تكالب الأعداء على الأمة كتداعي الأكلة على قصعتها ( وهذه هي المؤامرة ) وكون الأمة في وضعها الحالي غثاء كغثاء السيل ، لما أصابها من الوهن ، وهو حب الدنيا وكراهية الموت .
وإن هذا الحديث الذي يصف أحوالنا اليوم بهذه الدقة لهو من الوحي .. وإنه لمن الإعجاز .
يقلّب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أكفّهم في حيرة ويقولون: ماذا نفعل إزاء العولمة ؟ هل نملك شيئا في الحاضر أو المستقبل ؟
أما في الحاضر فقد تكون الإجابة صعبة بالفعل .. ولكن لا ؛ لأن العولمة هي ذلك الغول الذي لا يقهر ، والذي لا يملك الناس إزاءه إلا الإذعان والتسليم .. فقد بدأت المجابهة بالفعل في المؤتمر الذي أقيم في مدينة"سياتل"ولكنها - مع الأسف - كانت من غير المسلمين !
إنما تأتي صعوبة الإجابة من سوء الحال التي وصلت إليها الأمة الإسلامية ..
لم تصل الأمة في تاريخها كله إلى هذه الدرجة من الهوان على نفسها وعلى الناس ، تطارَد وتشرّد ويذبّح أبناؤها بعشرات الألوف ومئات الألوف في أوربا وأفريقيا وآسيا ولا تتحرك ، ولا يصدر عنها فعل يوقف هذه المذابح الوحشية أو يرد عليها . وتسلب منها فلسطين ، وتسلب منها القدس وهي واقفة تتفرج كالمأخوذ ..