الصفحة 27 من 54

ومن جهة أخرى لم يتجمع العالم كله على الأمة الإسلامية كما تجمّع اليوم ، يأكل حقوقها علانية ، ويسلب أقواتها ، ويحارب دينها ومعتقداتها ومقومات وجودها الفكري والروحي والمادي ، وهي عاجزة مسلوبة الإرادة .. وإن همت بحركة أو حتى حدثت نفسها ، تمتد أصابع العصابة الدولية كلها صارخة: أصوليون ! إرهابيون ! اقتلوهم ! أو ضعوهم في السجون !

وفي الوقت ذاته هناك نقص فادح في أدوات المواجهة ..

فمن أدوات المواجهة الخبرة التكنولوجية والتصنيع ، والأمة في كلا المجالين فقيرة إلى حد يقرب من الإفلاس ، وفي الجانب الآخر وحوش ضارية تتجمع لتأكل الأخضر واليابس ، ولتعطل كل حركة تهدف إلى اكتساب الخبرة أو تنمية الإنتاج .

نعم ! ولكن .. !

من قديم كان يستوقفني وأنا بعد فتىً حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه ، فمن لم يستطع فبقلبه ، وهو أضعف الإيمان" (1) وحديث في ذات الاتجاه يقول:"فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن . وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (2) .

كان يستوقفني بشدة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه جهادا ، وسماه تغييرا ، مع أنه مستكن في داخل القلب ، ولا يغير شيئا من الواقع المراد تغييره !

وحين كبر وعيي ، وزادت تجاربي فهمت أشياء مما كان خافيا علي من معاني الحديث.

إن الجيش في المعركة قد ينهزم ، وقد يتقهقر ، وقد يلجئه العدو إلى الخروج من ساحة القتال .. نعم ! ولكن ! هناك قلعة أخيرة يحتمي في داخلها حتى تواتيه الفرصة لمعاودة القتال. وطالما هو محتم بقلعته لم يسلمها للعدو ، فهو في حالة جهاد ، لأنه ما زال محتفظا بجنديته وباستعداده . أما إذا سلم القلعة فقد انتهى الأمر ، وحلت الهزيمة التي ليس منها فكاك !

وتلك القلعة بالنسبة للمنكر هي القلب ..

(1) متفق عليه .

(2) أخرجه مسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت