الصفحة 28 من 54

ومن ثم يسمي الرسول صلى الله عليه وسلم الإنكار بالقلب جهادا ، ويسميه تغييرا ، مع أنه لا يغير شيئا في الواقع الراهن .

إن المنكِر بقلبه لم يستسلم للأمر الواقع ، ولم يعطه شرعية الوجود . لم يعتبر الواقع صوابا ، أو ضربة لازب لا فكاك منها . إنما اعتبر فقط أنه الآن في هذه اللحظة عاجز عن التغيير بسبب ضعفه أمام ضراوة المنكر . ولكنه مؤمن بأن موقفه هو - هو الصواب ، وهو الذي له شرعية الوجود ، أما المنكَر فلا شرعية له ، ولا هو على صواب ، وإن كانت له السيطرة في اللحظة الراهنة .

هل يستوي هو والذي سلم القلعة ، ونفض يديه من المعركة ؟

كلا بالطبع ! لا يستويان مثلا !

فأما الأول فهو الآن عاجز . نعم ، لا يملك من أمر نفسه شيئا وهو محاط ومحاصر ومقهور ، ولكنه مؤمن بقضيته ما يزال . وما يزال يراقب الأحداث ، يتلمس الفرصة التي قد تسنح في أية لحظة ، ليخرج من القلعة ، ويعود إلى الميدان .

وأما الآخر فقد انتهت القضية في حسه ، واستكان للأمر الواقع ، ولم يعد يفكر في تغييره . بل خطّأ نفسه على موقفه السابق منه ، وعزم على الاّ يعود !

فرق هائل في الحقيقة . والرسول الملهم صلى الله عليه وسلم ، يعلم - بما علمه ربه - حقيقة الفرق بين الأمرين . ولكنه في الوقت ذاته يحذر من الركون إلى هذا الوضع ركون الراحة والاستقرار ! فهو يعلم - بما علمه ربه - أن النفوس تركن وتسترخي ! فيقول محذرا:"وذلك أضعف الإيمان"،"وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".. لكي يحرص المؤمن على ألا يتزحزح عن موقفه الأخير هذا مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحوال ..

والمنكِر بقلبه لا يشارك في المنكر الذي عجز عن تغييره .. لا يشارك فيه إلا مكرها . لأنه إن شارك موافقا وراضيا ومقتنعا فقد سلم القلعة ، وترك المعركة إلى غير رجعة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت