يبدي العلمانيون ترحيبا ظاهرا بالعولمة ، ويرتقبونها بفارغ الصبر ، ويبشرون بالخير العميم الذي سيهب علينا من العولمة ، ليخرجنا من التخلف إلى الحداثة .. ولا يخفي بعضهم فرحته بأنها هي التي ستزيل من حياتنا بقايا"القرون الوسطى"التي ما تزال عالقة بنا ..
بعبارة أخرى تزيل لهم الإسلام !!
هكذا يفكرون .. وهكذا يحلمون ..
ويعجب الإنسان لهذا المسخ الشائه الذي يقرأ تاريخه بعيون غيره ، ويزن نفسه بميزان غيره ، ويتلاشى هو حتى يصير كأنه غيره !
لقد كانت القرون الوسطى في أوربا هي قرون الظلام .. وقُرِنَ هذا الظلام - بجهالة - بالدين ، من حيث هو دين ! فقيل إن أوربا كانت تعيش في الظلام لأنها كانت تعيش في ظل الدين ، وحين نبذت الدين تقدمت وارتقت وخرجت من الظلام إلى النور ..
ونحن نعلم جيدا أن عصر التدين في أوربا كان عصر الظلام ، وأن أوربا تقدمت حين نبذت دينها . ولكنا جديرون أن تكون لنا رؤيتنا الواضحة لهذا الأمر ، بما نملك من المعايير التي لا تملكها أوربا ، وبكوننا ونحن خارج الدائرة - أو خارج الأزمة - أقدر على الرؤية الشاملة التي قد لا يقدر عليها الموجودون في داخلها ، المتأثرون بأفعالها وردود أفعالها ، الواقعون تحت ضغوطها وانفعالاتها ، التي قد تغشي النظرة وتفسد الرؤية .
إن أوربا لم تعرف في تجربتها - قط - دين الله المنزل ! إنما عرفت دينا صنعته تصورات بشرية ضالة ، أفسدت منه ما أفسدت ، ثم أفسدت به ما أفسدت !
وعرفت كيانا كهنوتيا مبتدعا ما أنزل الله به من سلطان ، طغى وتجبر حين واتته الفرصة ، ففرض على الناس طغيانا روحيا ، وطغيانا ماليا ، وطغيانا عقليا ، وطغيانا سياسيا ، وطغيانا عليما ، حَوّل الحياة إلى جحيم لا يطاق ، ومع ذلك أطاقته أوربا ما يقرب من عشرة قرون ، ولم تدرك ما فيه من الزيف ، وما فيه من الإجحاف بكيان الإنسان إلا بعد أن احتكت بالإسلام والمسلمين كما أشرنا في فصل سابق .