الصفحة 45 من 54

وعندئذ انقلبت أوربا مائة وثمانين درجة كاملة .. فألّهت الإنسان بدلا من الله ، وانكبت على الحياة الدنيا بدلا من التوجه إلى الآخرة ، وحكّمت العقل في الأمور كلها بدلا من مقولات الدين ، أي المقولات التي كانت تقولها الكنيسة باسم الدين ..

وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء !

ولكن الرؤية المستقيمة ، غير المتأثرة بانفعالات المعركة .. الرؤية"العقلانية"الصحيحة .. والرؤية"العلمية"المتثبتة ، كان ينبغي أن تدرس وتحلل وتنظر في الأسباب والنتائج ، فتكشف حقائق الأمر ، التي قد يغيبها الانفعال الثائر ، أو رغبة الثأر والانتقام من طغيان الكنيسة .

ففي الفترة ذاتها التي عاشتها أوربا في ظلماتها ، كان هناك نور ساطع مشرق متألق ، منبثق من الدين .. ولكن من الدين الصحيح الذي لم تفسده التصورات الباطلة ، والذي ليس له كهنوت ولا رجال دين يفرضون على الناس ما يفرضون ، ويحرقونهم أحياء حين يرفضون !

ومن الحق أن نذكر - كما ذكرنا من قبل - أن أوربا كانت قد أوشكت أن تدخل في هذا الدين ، لولا عنف الكنيسة في محاربته ، ومحاربة تأثيراته في نفوس الأوربيين وأفكارهم .

ولكن الحصيلة النهائية على أي حال كانت نبذ الدين جملة وإقصاءه عن الهيمنة على واقع الحياة ، أو - في أحسن الأحوال - تحجيمه حتى يصبح علاقة خاصة بين العبد والرب ، مكانها القلب ، ولا صلة لها بواقع الحياة السياسي أو الاقتصادي أو العلمي أو الأخلاقي أو الفكري أو الاجتماعي ... إلخ .

مرة أخرى نقول إن أوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء !

أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فما الذي دهاهم حتى صاروا يتصايحون بما صاحت به أوربا من قبل ، ويفرون من الدين ، ويدعون إلى الفرار منه كما فرت أوربا من قبل ، ودينهم غير ذلك الدين ، وظروفهم غير تلك الظروف ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت