إن زهده في الدنيا سيمنحه زادًا كبيرًا من الثبات على ثوابته، لأن أعداءه لن يجدوا لهم عليه سبيلًا، ولا إليه منفذًا أو طريقًا! بماذا يساومونه ويغرونه ويضغطون عليه؟ أبالدنيا وزخارفها؟ لقد زهد فيها فكيف يستجيب لهم!
وليس معنى زهده في الدنيا، أن يحرم على نفسه الاستمتاع بالمباح من شهواتها وملذاتها وخيراتها وطيباتها، وليس معنى الزهد أن يكون فقيرًا معدمًا، ينام في كوخ، ويلبس الملابس الرثة، والأسمال البالية.
إن زهده يتحقق مع حصوله على مباحاتها وطيباتها، فقد يكون"مليونيرًا"زاهدًا، أو"مالكًا"كبيرًا زاهدًا، وقد يبني أفخم المنازل، ويستخدم أجود الأثاث، ويركب أحدث السيارات، ويلبس أغلى الملابس، ويعمل في أرقى الوظائف، وهو مع ذلك زاهد. بحيث يجعل هذا كله في يده، لا في قلبه، فيلقيه كله جانبًا إذا تعارض مع دينه أو تناقض مع ثوابته!
الزهد زهدان:
زهد الغني التقي الواجد! وزهد الفقير المحروم الفاقد! والمؤمن على كلتي حالتيه زاهد!
4 -هو صابر:
الصبر معلم بارز من معالم الطريق إلى الله، وخط متين من خطوط الشخصية الإسلامية الثابتة.
والصبر مجاله واسع، وأفقه فسيح، ومظاهره منوعة، وصوره عديدة.
الصبر على الطاعة، وعلى ترك المعصية، وعلى شدة الحالة، وعى مشقة السير، وعلى طول الطريق، وعلى تأخر الاستجابة، وعلى بطء العلاج، وعلى فتن الدنيا، وعلى انتفاش الباطل، وعلى عنف المواجهة، وعلى قوة المعركة، وعلى ألم المحنة، وعلى كثرة التضحيات، وعلى ضعف النفس، وعلى وساوس التثبيط، وعلى هجمة المساومات، وعلى. . وعلى. . مما يجده ويواجهه المسلم في طريقه.
والمسلم الثابت على ثوابته يعلم أن الصبر أقوى زاد، وأنفذ سلاح، فيتزود به لطريقه، ويتسلح به في مواجهة أعدائه.
وهو يقرن بين الصبر والمصابرة - وهي مفاعلة من الصبر - والمرابطة الصابرة المحتسبة لله. وفي ذلك ينفذ أمر الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة آل عمران: 200] .
لقد واجه الأنبياء وأتباعهم أعداءهم بسلاح الصبر، وقطعوا طريقهم إلى الله صابرين مصابرين: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) [سورة الأنعام: 34] .
والصابر أجره مضاعف عند الله، كما قال الله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [سورة الزمر: 10]
وجعل القرآن الصبر من أقوى العدد في مواجهة الأعداء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [سورة الأنفال: 45 - 46] .
والصبر في حقيقته نوعان:
صبر إيجابي. وصبر سلبي.
الصبر السلبي هو صبر اليائس العاجز القانط، الذي فقد الثقة، بالمستقبل، ولم ير للجهد ولا للدعوة ولا للجهاد ثمرة ولا فائدة ولا نتيجة، فجلس يندب حظه، ويلعن زمانه، ويجتر حسراته وآلامه، وينتظر نهاية عمره، ودنو أجله، وصار يطلب من الله أن يصبره في ما تبقى من عمره.
وهذا الصبر مرفوض، حيث لا زاد فيه، ولا مدد منه، ولا ينفع صاحبه.
الصبر الإيجابي: وهو ما وصفه الله في القرآن بالصبر الجميل. الصبر الايجابي الجميل هو صبر يعقوب عليه السلام، الذي استخدمه وهو يعيش الأمل المشرق البسام في لقاء ابنه يوسف - عليه السلام - فكان الصبر الجميل عنده من أقوى البواعث على لقاءه به.