الصفحة 2 من 44

وكان من قدر العبد الفقير - كاتب هذه السطور - أن شارك في مناظرة كان طرفها الآخر المفتي ووزير الأوقاف وعُقدت في مدينة أسيوط (كان ذلك في أوائل العام 1408ه) وقد وفقنا الله فيها لبيان بعض القضايا الشرعية التي كان من أهمها القضية التي نحن بصددها: قضية تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، وقد ذكرنا في ذلك بعض الأدلة الشرعية وأقوال العلماء الدالة على الإجماع على أن تغيير المنكر باليد ليس قاصرًا على الحكام، أما المفتي والوزير - وهما حاملا لواء الدعوة إلى أن تغيير المنكر باليد لا يجوز لغير الحكام - فقد كانت أدلتهما في تلك المناظرة بعض التحكمات العقلية في مقابل النصوص الشرعية من مثل القول بأن تغيير المنكر باليد من قِبَل غير الحكام يؤدي إلى الفوضى، أو التمسك بعمومات ليست في محل النزاع كالقول بأن الإسلام دين الرفق والسماحة وأن الدعوة لا بد أن تكون بالموعظة الحسنة، وأخيرًا قال المفتي إنه المفتي الرسمي للدولة بما يعني أن فتواه لا بد أن تكون ملزمة للجميع، وهذا قول مردود؛ فإنه ليس لأحد - كائنًا من كان - أن يلزمنا بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إننا نقول: إن كنت ترى أن إلزامك لنا مبني على أنك مُعين من قبل رئيس الدولة، فإنه عندنا حاكم ساقط الشرعية، لا ولاية له على المسلمين (2) .

وفي تلك الفترة كثُر اللغط حول هذه القضية، وصار كل من هب ودب يتكلم فيها، وصار أمرًا عاديًا أن تتناقل وسائل الإعلام الحكومية كل يوم تقريبًا تصريحات للمفتي ووزير الأوقاف حول هذا الموضوع، ووصل الأمر بوزير الأوقاف إلى أن قال حول المناظرة التي أشرت إليها إنه حين ذهب إلى أسيوط وجد سبع جماعات يكفر بعضها بعضًا، وإنه قد تقدم طالب جامعي صغير ليناظره هو والمفتي.

والحق أن هذا لم يكن إلا محض كذب وافتراء (3) .

في تلك الأجواء رأيت الحاجة داعية إلى كتابة هذه الرسالة التي بَينتُ فيها - بحمد الله تعالى - ما أراه صوابًا في هذه المسألة، مؤيدًا بالأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ثم بأقوال أهل العلم من سلف هذه الأمة ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم.

ولعله من تمام القول في ذلك أن أذكر أنه عُقد فيما بعد (في جمادى الثانية 1409هـ) مؤتمر في الجامع الأزهر تحدث فيه كل من الشيخ/ متولي الشعراوي والشيخ/ محمد الغزالي والشيخ/ الطيب النجار، وفي نهاية المؤتمر ألقى الشيخ الشعراوي بيانًا قالت الصحف يومها إنه قد وقَّع عليه كل من الشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي. وقد كان ذلك البيان - مع الأسف الشديد - حلقة في سلسلة الحرب التي شنها النظام العلماني في مصر ضد الحركة الإسلامية، ويكفي أن نقرأ من هذا البيان الفقرة التي تقول: (( ... ونحن نعتقد في إيمان المسئولين في مصر، وأنهم لا يردون على الله حكمًا ولا ينكرون للإسلام مبدأ، وأنهم يعملون على أن تبلغ الدعوة الإسلامية مداها تحقيقًا وتطبيقًا ) ) (4) .

وهذا قول لا يحتاج إلى رد، وكل منصف متابع للأحوال في مصر يعلم بطلانه. ومما جاء في هذا البيان أيضًا: (( ... بل الثابت في كل العصور أن الذي يقوم بتنفيذ الحدود وتغيير المنكر باليد هم أولياء الأمور وحدهم ) ) (4) ، وهذا قول إن صح في مسألة تنفيذ الحدود، فإنه لا يصح في مسألة تغيير المنكر كما يجده القارئ الكريم مفصلًا في هذه الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت