الصفحة 29 من 44

فقد تبين أن الجدال بالتي هي أحسن إنما هو لغير هذه الأصناف الأربعة وأشباهها، فمن لا يجدي معهم الجدال الحسن فينصحون بغيره، كما قال شوقي:

والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم

3)وأما قوله تعالى: {ادْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ} فإن كان المفهوم منها أن الدعوة لا بد أن تكون باللين والرفق، فقد بينا أننا نُقِر بهذا ولا يمكن أن نجحده، ولكن الكلام فيما لو لم يجدِ النصح والإرشاد، كيف يكون العمل؟ وبينا لك من قبل بالأدلة والبراهين ما يجب أن نقوم به إذا لم يجدِ النصح والإرشاد بما لا نرى داعيًا لإعادته وتكراره.

ومن ناحية أخرى فإننا نريد أن نوضح أن الناس يفهمون من معنى الحكمة أنها مجرد اللين والرفق، مع أنها أعم من ذلك وأشمل، فإن الحكمة كما يقول القرطبي: (( مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل ... وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه ) ) (19) .

وقال ابن القيم رحمه الله في تعريف الحكمة: (( فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ) ) (20) ومعنى هذا أنها الشِدة حينما يتطلب الأمر الشدة، واللين حينما يتطلب الأمر اللين.

فهل رأيت معنى الحكمة؟ وأنها اتباع الشرع المبين في كتاب الله وسنة رسوله، وأن ندور مع الشرع الحنيف حيث دار، فلا نقحم أهواءنا في ذلك فنجعلها حَكمًا على كتاب الله وسنة رسوله بحجة الحكمة المزعومة.

وما أصدق القائل:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى

وكلمة أخيرة نود أن نقولها في هذا الموضوع؛

وهي أنه من الخطورة بمكان أن نأخذ ببعض الجوانب من المفاهيم الإسلامية ونضخمها ونبرز شأنها ونغفل جوانب لها أهميتها أيضًا. فالإسلام كما هو دين الرفق هو أيضًا دين القوة، والرسول صلى الله عليه وسلم هو نبي الرحمة ونبي الملحمة (21) ، فهو نبي الرحمة حين يكون المطلوب هو الرحمة، وهو المقاتل حين يحتاج الأمر للقتال واستخدام القوة.

وحينما يكون الأمر متعلقًا بالفساد والبغي في الأرض، فإن عين الرحمة هي استعمال القوة لاستئصال هذا الفساد، والله سبحانه وتعالى يقول في شأن الزاني والزانية: {وَلاَ تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فيِ دِينَ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر} (النور: 2) .

أليست هذه الآية دليلًا على أن الرأفة وإن كانت مطلوبة في موضع فإنها مرفوضة في موضع آخر؟ ولكل مقام مقال - كما يقولون - ألا فليتق الله أقوام يبترون النصوص الإسلامية من أصولها ويفهمونها على ضوء ما يرضي أهل الباطل وليتقوا يومًا يرجعون فيه إلى الله فيحاسبهم عز وجل على الصغير والكبير ولا ينفعهم حينئذٍ هؤلاء الذين كانوا يرضونهم في الدنيا.

(14) مجموع الفتاوى (20/ 393) .

(15) أضواء البيان (2/ 156) .

(16) الظلال (2/ 993) .

(17) أحكام القرآن (3/ 1487) .

(18) المصدر السابق (3/ 1488) .

(19) تفسير القرطبي (3/ 330) .

(20) مدارج السالكين (2/ 479) .

(21) انظر زاد المعاد (1/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت