الصفحة 28 من 44

يستدل البعض بقول الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخْشَى} (طه: 44) وقوله: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46) وقوله سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) ويقولون إن هذه الآيات تدل على الرفق واللين وإن استعمال القوة في تغيير المنكر ينافي ذلك.

وجوابًا على ذلك نقول:

1)أما قوله عز وجل: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا ... } : فإن هؤلاء لم يفرقوا بين مقام الدعوة باللسان ومقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد؛ فالدعوة باللسان سابقة - كما بينا من قبل - لاستخدام القوة، فإن اندفع المنكر بمجرد الوعظ والنصح فلا يصح استخدام القوة، وإلا وجب استخدام القوة، ولو كان ما فهمه هؤلاء صحيحًا لما جاز قتال الكفار أبدًا؛ لأن الآية التي استدلوا بها هي في الحديث عن فرعون وهو كافر، فطرد قولهم أننا لا نزال نقول للكفار قولًا لينًا لا شدة فيه حتى لو بقوا على كفرهم وأصروا عليه، وما هكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم بل كان يدعو باللسان، فمن استجاب فبها ونعمت، وإلا فالسيف يؤدب الطغاة، قال ابن تيمية رحمه الله: (( فَقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديًا ونصيرًا ) ) (14) .

وقال الشنقيطي: (( واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريق لين وطريق قسوة، أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وتقام حدوده وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ الْنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ} الحديد: 35 ) ) (15) .

وقال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (( لا بد من جهد بالحسنى حين يكون الضالون أفرادًا ضالين يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة، وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم ) ) (16) .

2)وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ} :

فنحن نرد على فهمهم له بأنهم قد أغفلوا بقية الآية وهي قوله تعالى: {إِلاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ} فمن ظلم فإنه لا يجادل بالتي هي أحسن، بل له شأن آخر.

هذا وقد قال فريق من العلماء إن هذه الآية منسوخة بآيات القتال، كما ذكر أبو بكر بن العربي عند تفسيرها وذهب هو رحمه الله إلى أنها ليست منسوخة قال: (( وإنما هي مخصوصة؛ لأن النبي عليه السلام بُعث باللسان يُقاتل به في الله، ثم أمره الله بالسيف واللسان حتى قامت الحجة على الخلق لله، وتبين العناد وبلغت القدرة غايتها عشرة أعوام متصلة، فمن قدر عليه قتل ومن امتنع بقي الجدال في حقه ) ) (17) ويزيد المعنى وضوحًا ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي من أقوال العلماء في المقصود بالذين ظلموا حيث قال: (( فيه أربعة أقوال: الأول أهل الحرب، الثاني مانعو الجزية، الثالث من بقي على المعاندة بعد ظهور الحجة، الرابع الذين ظلموا في جدالهم بأن خلطوا في إبطالهم وهذه الأقوال كلها صحيحة مرادة ) ) (18) .

وبعد ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت