يستدل بعض الناس بقوله سبحانه وتعالى: {ولاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلَى التَّهلُكةِ} (البقرة: 195) ويقولون إن تغيير المنكر باليد في هذه الأيام يؤدي إلى إيذاء من يقومون به؛ من سجنهم واعتقالهم من جانب الحكومات الجائرة، وعليه فإن تغيير المنكر يعتبر إلقاء باليد إلى التهلكة.
وهذه شبهة قد كفانا الرد عليها الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: (فعن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وأَنفِقُوا في سَبيلِ الله ولاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهلُكةِ} فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتَرْكَنا الغزو) (11) .
فقد ظهر من هذا البيان أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الإنفاق وترك العمل لدين الله عز وجل وإيثار الأهل و الأموال على طاعة الله والجهاد في سبيله؛ أي عكس ما يفهم هؤلاء.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) (12) . فجعل الذي يموت بسبب كلمة حق يقولها عند سلطان جائر شهيدًا، بل هو سيد الشهداء، فكيف تعتبرون الأذى في سبيل الله عز وجل إلقاء باليد إلى التهلكة؟ !
وقال الإمام أبو بكر بن العربي عند تفسير قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الَّنبِيِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} (آل عمران: 21) : (( قال بعض علمائنا هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن أدى إلى قتل الآمر به ... ) )، إلى أن قال رحمه الله: (( فإن خاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، فإن رجا زواله جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة فيه؟ والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي ) ) (13) .
فها هو الإمام ابن العربي يرى أنه حتى لو غلب على ظنك وقوع الأذى لك مع عدم رجاء زوال المنكر، فاهجم واخلص النية لله سبحانه وتعالى ولا تُبالِ بشيء.
(11) أخرجه أبو داود (2512) والترمذي (2972) وقال حسن غريب صحيح، والحاكم (2/ 275) ، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(12) أخرجه الحاكم (3/ 195) من حديث جابر بن عبد الله، وقال صحيح الإسناد وهو مخرج في السلسلة الصحيحة للألباني (374) .
(13) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 266، 267) .