الصفحة 33 من 44

يقول البعض: إن من يقوم بتغيير المنكر بيده إنما يقوم بالافتئات على حق الحاكم، إذ أن الحاكم هو الذي يناط به مهمة إقامة الحدود.

وجوابًا على ذلك القول نقول:

قد فرق أهل العلم بين تغيير المنكر وإقامة الحدود وممن فرق بينهما الغزالي رحمه الله حيث قال: (( ليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر، فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق، وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية ) ) (30) .

ومن ذلك نفهم أنه يفرق بين إزالة المنكر وبين العقوبة عليه فالأولى تجوز لآحاد الرعية والثانية من خصائص الحكام.

إن من أغراض إقامة الحد في الإسلام تأديب الجاني على ما اقترفت يداه وزجره عن أن يعود إلى ذلك مرة أخرى، وكذلك زجر غيره عن اقتراف هذا الإثم ولأجل ذلك فقد أنيطت هذه المهمة بالحاكم.

أما عملية التغيير فهي مجرد إزالة للمنكر أو دفع له، وهذه يقوم بها الحاكم وغيره، ومن قرأ ما سبق أن أوضحناه من الأدلة على ذلك لا يحتاج معه إلى زيادة بيان والله أعلم (31) .

(30) الإحياء (2/ 331) .

(31) ما ذكرناه من أن إقامة الحدود من اختصاص الحكام إنما هو في حالة أن يكون الحكام قائمين بذلك، أما إذا قصر الحكام في إقامة الحدود فإنه يجوز للجماعة المحتسبة من آحاد الرعية أن تقوم بذلك بعد قياس المصالح والمفاسد لأن هذا الأمر واجب على الأمة وينوب عنها الحاكم في ذلك فإن قصر الحاكم رجع الأمر للأمة، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع الفتاوى (34/ 176) : (( وكذلك الأمير إذا كان مضيعًا للحدود أو عاجزًا عنها، لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم تقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إن لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ) ). وقال الشوكاني في السيل الجرار (4/ 311) تعليقًا على قول صاحب المتن: (( تجب إقامتها في غير المسجد على الإمام وواليه إن وقع سببها في زمن ومكان يليه ) )، قال الشوكاني: (( هذا مبني على أن الحدود إلى الأئمة وأنه لا يقيمها غيرهم على من وجبت عليه وليس على هذا أثارة من علم ... ولا شك أن الإمام ومن يلي من جهته هم أولى من غيرهم كما قدمنا، وأما أنه(لا) يقيمها إلا الأئمة وأنها ساقطة إذا وقعت في غير زمن إمام أو في غير مكان يليه فباطل، وإسقاط لما أوجبه الله من الحدود في كتابه، والإسلام موجود والكتاب والسنة موجودان، وأهل العلم والصلاح موجودون فكيف تهمل حدود الشرع بمجرد عدم وجود واحد من المسلمين؟ ))أ. هـ.

وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يعزر ويقيم الحدود (راجع في ذلك البداية والنهاية(14/ 12، 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت