الصفحة 34 من 44

يقول البعض إنه لا يجوز الانشغال بتغيير المنكر الأصغر قبل تغيير المنكر الأكبر وهو عدم الحكم بما أنزل الله، وإن هذا الانشغال بالمنكر الأصغر يعرقل الجهود المبذولة من أجل إزالة المنكر الأكبر، ويقول بعضهم إننا في عصر استضعاف يشبه العصر المكي، وليس لنا أن نقوم بتغيير المنكرات بأيدينا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينشغل بتكسير الأصنام إلا بعد فتح مكة حين أصبحت مكة دار إسلام.

وجوابًا على ذلك نقول:

إن كلامكم هذا لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، وإليكم البيان:

1)أما قولكم لا يجوز تغيير المنكر الأصغر قبل تغيير المنكر الأكبر فجوابه من وجوه:

الوجه الأول: يقول الله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعتُم} (التغابن: 16) ومعنى الآية أن الإنسان عليه أن يتقي الله قدر استطاعته أي أنه إن استطاع أن يغير المنكر الأصغر، ولم يستطع تغيير الأكبر فليغير الأصغر لأن ذلك هو الذي في قدرته واستطاعته.

الوجه الثاني: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) (32) وما قيل في الآية السابقة يقال في هذا الحديث، ولذا فقد تقرر عند العلماء أن الميسور لا يسقط بالمعسور (33) فمتى قدر على بعض المأمور به وجب فعله ولا يسقط البعض لعدم القدرة على الكل.

الوجه الثالث: أن هذا الفهم الذي ذكرناه هو الموافق لقول أهل العلم، فقد ذكر الخلال أن الإمام أحمد رحمه الله سئل عن رجل له جار يعمل بالمنكر لا يقوى على أن ينكر عليه، وضعيف يعمل بالمنكر أيضًا يقوى علي هذا الضعيف، أينكر عليه؟ قال: نعم ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه (34) .

هذا وقد عنون الخلاَّل لهذه الفتوى بعنوان (باب الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه، ويرى منكرًا صغيرًا يقدر أن ينهى عنه. كيف العمل؟) .

الوجه الرابع: أنه لو صح استدلالكم بهذا لكان الذي أخره النبي صلى الله عليه وسلم هو المنكر الأكبر؛ لأن تحطيم الأصنام هو تحطيم لعقيدة الشرك، وهل هناك منكر أكبر من الشرك؟.

الوجه الخامس: ليس صحيحًا أن الانشغال بتغيير المنكر الأصغر يعرقل العمل لتغيير المنكر الأكبر، وكيف يكون ذلك وأصحاب المنكر الأكبر وهم الحكام العلمانيون يعمدون إلى تلك المنكرات الصغيرة في تثبيت أركان حكمهم، فكل تغيير لمنكر يفت في عضد هذا النظام وقد يفقده ركنًا من أركانه - والله أعلم -

2)أما قولكم إننا في عصر استضعاف يشبه العصر المكي، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحطم الأصنام إلا بعد التمكين فجوابه من وجوه:

الوجه الأول: أننا مطالبون بآخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم فالدين قد كمل والنعمة قد تمت وقد كان في العهد المكي أحكام نسخت في العهد المدني، فما مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو الدين إلى يوم الدين، وليس لأحد أن يعطل حكمًا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بدعوى أننا في حال يشبه العصر المكي، وإلا لصح أن يقول البعض لا نزكي ولا نصوم لأن الزكاة والصيام إنما شرعا في العهد المدني.

الوجه الثاني: أنه لا يصح القول بأن الأمة جميعها صارت في عصر استضعاف بمعنى أن لا يكون فيها من يقوى على تغيير المنكر باليد، لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) (35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت