وفي حديث جابر بن سمرة: (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة) (36) ، وفي حديث عقبة بن عامر: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) (37) ، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته تقاتل في سبيل الله، وأن ذلك لا ينقطع في أمته حتى آخر الزمان.
قال النووي في شرح مسلم (13/ 67) : (( ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من أهل الخير ... وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة؛ فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث ) )أ. هـ.
والمقصود أن هذه الطائفة المقاتلة هي طائفة آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر واستمرار وجودها في الأمة ينسف فكرة عصر الاستضعاف من أساسها، فلم يبق إلا أن يقال إن الاستضعاف قد يشمل مكانًا دون آخر، وهذا حق ومقتضاه أن ينظر أهل كل بلد في حالهم وقدرتهم، فقد يكون عند قوم من القدرة ما ليس عند آخرين فيجب على القادر ما لا يجب على غير القادر، وحينئذٍ فليس لغير القادر أن ينكر على غيره ممن قدر على إقامة أمر الله فقام به.
قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: (( وإن كان العبد عاجزًا عن معرفة بعض ذلك، أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائمًا به ) ) (38) .
الوجه الثالث: أن ما يقال من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكسر الأصنام في العهد المكي ليس على إطلاقه، فقد أثبتنا من قبل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كسر صنمًا على الكعبة بمكة قبل الهجرة (39) ، والصحيح أنه لم يكسر الأصنام جملة إلا بعد الفتح، ليس لأنه لم يكن يجوز له ذلك بل لعدم قدرته عليه، فإنه لما قدر على تكسير صنم واحد كسره ولما قدر على تكسير كل أصنام الكعبة يوم الفتح فعل ذلك.
الوجه الرابع: أنه قد ثبت من فعل الصحابة رضي الله عنهم ما يدل على أن التغيير بالقوة كان معروفًا قبل عصر التمكين؛ فمن ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه: (لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي) (40) .
والظاهر أن هذه المقاتلة كانت باليد لا بالسيف، ولكنها على كل حال نوع من التغيير باليد فعله عمر رضي الله عنه ليمكن المسلمين من الصلاة في البيت، وواضح أن ذلك كان بمكة قبل الهجرة.
الوجه الخامس: أن إبراهيم عليه السلام قد حطم أصنام قومه وهو وحيد مستضعف، وهذا استدلال صحيح سواء أقلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا، أو قلنا إنه ليس شرعًا لنا إلا إذا وافق شرعنا فإنه موافق - بحمد الله - لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أقول إننا مطالبون بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام حيث قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِين مَعَهُ} (الممتحنة: 4) ولم يذكر لنا القرآن رسولًا للاقتداء به على وجه التعيين إلا رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام.