الصفحة 39 من 44

ومن هذا يعلم أن اندفاع الرجل المسلم مضحيًا بنفسه في سبيل الله جائز في الجهاد وفي الحسبة وإن علم أنه يقتل وإن علم أن المنكر لا يزول ما دام في ذلك مصلحة شرعية ككسر قلوب الكفار والفساق بما يرونه من قوة المسلمين وجرأتهم أو تقوية المسلمين الآخرين وحملهم على التضحية كذلك.

قال القرطبي: (( قال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله سبحانه وتعالى به المؤمنين في قوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ) (54) .

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: (( فإن خاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل فإن رجا زواله جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر وإن لم يرج زواله فأي فائدة فيه، والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي ) ) (55) .

وبهذا يعلم صحة ما ذكرناه من أن تغرير المسلم بنفسه في سبيل الله جائز في الجهاد والحسبة، وإن علم أنه يقتل، وإن علم أن المنكر لا يزول ما دام في ذلك مصلحة شرعية ككسر قلوب الكفار والفساق بما يرونه من شجاعة المسلمين أو تقوية المسلمين وحثهم على التضحية في سبيل الله. لكن تبقى معنا نقطة لا بد من إيضاحها وهي حالة ما إذا كان الشخص يعلم أنه لا يقوى على تغيير المنكر، وأنه يعرض نفسه للهلاك دون أي منفعة للمسلمين وهي الحالة التي أشار الإمام محمد بن الحسن إلى كراهتها فيما نقله عنه القرطبي كما مرّ قريبًا.

وقال الغزالي: (( ... ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار؛ كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام، داخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتنكسر بذلك شوكتهم، فكذلك يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرَّض نفسه للضرب أو القتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسره جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقًا متغلبًا وعنده سيف وبيده قدح وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجهًا وهو عين الهلاك ) ) (56) .

ولا شك أن المنع من التغيير هنا مبني على أن التغرير بالنفس لا يقابله أي منفعة للمسلمين، أما ما كان فيه نفع للمسلمين ولو بمجرد تجرئة قلوب أهل الإيمان فإن جواز التغيير، بل استحبابه هو الأصل الذي ينبغي ألا ينازع فيه.

ولا شك أيضًا في أنه لا بد من معرفة جيدة بالواقع للحكم على مثل هذه الأمور، وهل فيها منفعة للمسلمين أم لا؟ ولا يصح لمن لا خبرة له بواقع بلد معين أن يحكم بأنه لا منفعة ترجى من الإقدام على التغيير، والصحيح أن يترك تقدير ذلك لأهل ذلك البلد، وخصوصًا من يقومون بأمر الحسبة فيه من أهل العلم والنظر الشرعي.

(42) سبق تخريجه ص: 21.

(43) سبق تخريجه ص: 63.

(44) أخرجه البخاري (3045) وأبو داود (2660) وأحمد (2/ 294) من حديث أبي هريرة.

(45) نيل الأوطار (7/ 255) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت