وإنما ذكرت هذين الدليلين الأخيرين - أي قصة عاصم بن ثابت وقصة عمرو بن الجموح - مع أنهما واردان في شأن الجهاد، لأن حكم الجهاد هنا يعم الأمر بالمعروف النهي عن المنكر إذ هما جنس واحد، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في الكافي أن (( العمري العابد سأل مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله عز وجل وحكم بغيرها فقال مالك: الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة، وقال أبو عمر: جواب مالك هذا وإن كان في جهاد غير المشركين، فإنه يشمل المشركين ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئًا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين بما يحاوله فيه، وقول مالك هذا يشبه عندي ما رواه سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: من فر من رجلين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر(48) يعني في القتال قال سفيان فحدثت به ابن شبرمة فقال: هكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) (49) .
فقد ظهر من كلام أبي عمر بن عبد البر في توضيح المقصود من كلام مالك وكذا من كلام ابن شبرمة الذي نقله سفيان بن عيينة أن حكم الجهاد هنا يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتأمل قوله: (( جاز له الانصراف ... ) )فإنه لم يقل وجب عليه الانصراف مما يدل على أن غاية ما في الأمر أنه يسقط عنه الوجوب بينما يبقى جواز التغيير، لأن من جاز له الانصراف جاز له البقاء بل قد يستحب البقاء إذا كان في ذلك مصلحة؛ ككسر جاه الفاسق برؤية أهل الحق وهم يندفعون غير مبالين بالأذى وإن كان المنكر لا يزول بفعلهم.
4)وما دام الأمر كذلك فإنه يصح لنا الاستدلال هنا بما ذكره العلماء من جواز اندفاع الرجل الواحد في صفوف الكفار وإن علم أنه يقتل، فمن ذلك ما ذكر الإمام الدمياطي حيث عقد في كتابه مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق في فضائل الجهاد بابًا جعل عنوانه (فضل انغماس الرجل الشجيع أو الجماعة القليلة في العدد الكثير رغبة في الشهادة ونكاية في العدو) وقد أورد فيه جملة من الأدلة منها حديث سلمة بن الأكوع، وفيه من قول سلمة: (( فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري ... ، قال فأخذت بعنان الأخرم، قال: فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليته ... ) )الحديث، وفيه من قوله صلى الله عليه وسلم: (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة) (50)
قال الدمياطي: (( وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصًا في طلب الشهادة كما فعل الأخرم الأسدي رضي الله عنه ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم مع أن كلًا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون ) ) (51) .
وقال الإمام النووي في شرح قصة عمير بن الحمام (( لما رمى التمرات ثم قاتل حتى قتل ) ) (52) قال: (( فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء ) ) (53) .