فإن قال قائل فأين شرط القدرة فإنكم لم تذكروه فيما ذكرتم من الشروط؟ وقد نُقل عن بعض أهل العلم من المعاصرين أنه لا يجوز الإقدام على تغيير المنكر إلا بتوافر شرط القدرة.
قلنا:
معنى القدرة: أن يعلم المغير أن في قدرته أن يغير المنكر، والقدرة بهذا المعنى شرط في الوجوب وليست شرطًا في الصحة ولذلك لم نذكرها فيما ذكرنا من الضوابط.
والدليل على أن القدرة شرط في وجوب تغيير المنكر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: ( ... فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ... ) (42) فقوله فإن لم يستطع دليل على أن مناط الوجوب القدرة فمن فقد القدرة سقط عنه الوجوب.
وأما الأدلة على أن القدرة ليست شرطًا في صحة التغيير فكثيرة منها:
1)قوله صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) (43) .
فلا شك أن هذا الرجل لم تبلغ قدرته أن يغير منكر ذلك الحاكم الجائر، ومع ذلك أنكر عليه فكان من نتيجة ذلك أن قُتل في سبيل الله، فعده النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء مع حمزة رضي الله عنه.
2)ومنها ما جاء في قصة عاصم بن ثابت لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس نفر من أصحابه إلى عضل والقارة، فخرج عليهم قرابة مائة رام، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ... ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل ... (44) .
قال الشوكاني تعليقًا على هذا الحديث: (( يجوز لمن لا طاقة له بالعدو أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر ) ) (45) .
3)ومنها ما ورد في قصة عمرو بن الجموح الذي (( كان رجلًا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد ) ) (46) .
وعن أبي قتادة قال: (( أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة - وكانت رجله عرجاء - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كأني انظر إليه يمشي برجله هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد ) ) (47)
والشاهد من قصة عمرو بن الجموح أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن له في القتال مع كونه أعرج والأعرج معذور بنص القرآن الكريم فهو لا يجب عليه الجهاد، لكنه لما جاهد قبل منه فدل ذلك على أن القدرة شرط في الوجوب لا الصحة.