الصفحة 21 من 52

والتهجد يحقق في الداعية صفة الاتزان النفسي في ظروف الاستضعاف التي قد تفقد الداعية تلك الصفة لأن الاستضعاف شعور بالضعف وقلة حيلة وهوان على الناس وهي أمور قد تحيط بالمستضعف فتدفعه إلى محاولة الإفلات من هذا الشعور والتخلص من هذا الحال فلا يتحرك بمقتضيات المرحلة بل يتصرف برغبة الإفلات والتخلص.

ولذلك كانت الصلاة هي التوجيه الأساسي لتحقيق صفة الاتزان لأن الصلاة هي التي تصب في كل كيان المستضعف الإحساس بذاته ومكانته في هذا الوجود فتتم معالجة الآثار الناشئة عن حال الاستضعاف وذلك في قول الله عز وجل: (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ) [سورة النساء الآية: 77] .

ثانيًا؛ الصيام:

ويشترك مع التهجد في معالجة الإرادة ولكن من حيث الأصل.

إذ أن أصل الإرادة في الإنسان هي إرادة بدليل أن تجربة الإرادة والعزم التي خاضها آدم في الجنة كانت إرادة امتناع: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) [سورة البقرة الآية: 35] .

وإرادة الامتناع في الإنسان إرادة مطلقة ولهذا تقوم الأحكام الشرعية على أن يكون (الأمر) بقدر الاستطاعة أما (النهي) فهو مطلق في وجوب الانتهاء عنه.

بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) [1] .

وبهذا يصير الامتناع (النهي) مقياسًا مطلقًا للإرادة غير (الأمر) المقيد بحد الاستطاعة.

ثالثًا؛ الإنفاق:

وضرورته في تكوين الداعية هي حمايته من صفة البخل وكسبه لصفة الكرم حيث يتحقق له من خلال ذلك حمايته من صفة الجبن وكسبه لصفة الشجاعة.

وذلك لأن الجبن والبخل صفتان متلازمتان في الطبع الإنساني، وكذلك صفة الشجاعة والكرم، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال) [2] .

رابعًا؛ الذكر:

ويحقق في التكوين الشخصي للداعية عدة عناصر:

اكبار الله عز وجل ... وهو توجيه مهم لصاحب الدعوة في مواجهته للجاهلية بضخامتها وإمكانيتها، ولهذا كان من التوجيهات الأولىة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) [سورة المدثر الآيات: 1 - 3]

-الانشغال بالله ... وهو من أهم مقتضيات الدعوة إذ أن الداعية الصادق هو الذي يعيش بدعوته كل لحظات حياته ... وذكر الله باعتبار كثرته وإطلاقه من التوقيت المحدد: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) [سورة الأحزاب الآية: 35] فإنه يحقق الانشغال بالدعوة من خلال الانشغال بالله عز وجل.

-الاطمئنان القلبي ... وهو ضرورة لمواجهة الشدائد التي تنتظر كل داعية في طريقه: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [سورة الرعد الآية: 28]

-وفي الذكر حماية للداعية من الآثار الذهنية المترتبة على الشعور بالتناقض بين التصور الذي يعيش في ذهن المسلم وبين الواقع الجاهلي الذي يعيش فيه المسلم.

والإنسان بطبيعته يحاول التخفيف من وطأة التناقض بين تصوره وواقعة بخيال ذهني يترتب عليه أكبر ضرر يقع على عقله.

والذكر باعتباره استيعاب للطاقة الذهنية بصورة شرعية صحيحة فإنه يحمي هذه الطاقة من أن تبدد في خيال يبعد عن الواقع ويضعف التفكير ويقلق النفس ويجمد الحركة.

(1) البخاري (251/ 13) ومسلم (1337) عن أبي هريرة.

(2) البخاري عن أنس (178/ 11) ومسلم (2706) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت