الصفحة 22 من 52

وبالالتزام بمنهج التربية وتحقيق صفة الربانية يكون المسلم الحكيم ... وتنشأ دلائل الحكمة في أسلوب الدعوة من خلال سلوك الدعاة وتصرفاتهم السليمة ومواقفهم الصحيحة.

وأبرز هذه الدلائل: هي أن يصبح المسلم الحكيم بذاته دليلًا على الحق. مثل عمر الذي وافقه الله سبحانه وتعالي على رأيه، إذ يقول: (وافقت ربي - أو وافقني ربي - في ثلاث: في الحجاب، وتحريم الخمر، وأسري بدر) [1]

وبلغ عمر حد النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيحته، وذلك عندما رأي أبا هريرة يقول: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فيضربه في صدره ويذهب به لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيجد أن رسول الله هو الذي أمره بذلك. فيقول في أدب: يا رسول الله، إذن يتكلوا، فيستحب الرسول لنصحه ويقول إذن يتكلوا ... ومنع أبا هريرة، من أن يقول الكلمة [2] .

ومثلما حدث من سعد بن معاذ عندما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يهود بني قريظة بعدما غدروا في غزوة الأحزاب. فقال: تقتل مقاتليهم وتسبي زرايهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حكمت بحكم الله فوق من فوق سبع سموات) [3] .

ومن دلائل الحكمة أن يستطيع المسلم الحكيم تجريد النص من الخطأ في الفهم أو التحريف في الكلم.

مثلما قال علي بن أبي طالب في الخوارج عندما رفعوا المصاحف على أسنة الرماح وقالوا نريد حكم الله، فقال: (كلمة حق يراد بها باطل) [4] .

ومن دلائل الحكمة صفة التلقائية في الفهم. مثلما حدث من أبي ثمامة عندما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام [5] فذهب إلى قومه وقال: لقد أسلمت ... ولن تأخذوا حبة قمح حتى يأذن لكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأدرك بإسلامه أن هذا يعني الولاء وأن الولاء يقتضي أن لا يتصرف في أمور حياته حتى لو كانت حبة قمح حتى يأذن في ذلك من أعطاه ولاءه.

ومن دلائل الحكمة. ذاتية التصرف. مثلما حدث من أبي بصير الذي أعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة بعد معاهدة الحديبية التي نصت على أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسلم يأتي إليه من قريش. فأصبح مسلمًا ليس له صلة بقيادته ولا تملك له قيادته أي توجيه، فيتصرف تصرفه الذاتي الصحيح الذي كان سببًا مباشرًا لإلغاء نص إرجاع المسلمين إلى قريش في المعاهدة.

يقتل من كان معه من مشركي قريش في طريق الرجوع بعد أن يخدعهم ...

ويحتل موقعًا بين مكة والمدينة ويقطع على قريش طريقها. فيسمع به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (مسعر حرب لو كان معه رجال) [6] فيسمع بقول رسول الله كل من أسلم من قريش فيذهب إليه، ويشترك معه، وتقوم حرب [7] تبعث بعدها قريش إلى رسول الله ترجوه أن يمنعهم وتطلب بنفسها إلغاء ما اشترطته في المعاهدة.

أما دلائل الحكمة من الناحية الأخلاقية فقد ورد فيها عدة نصوص منها:

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة والين قلوبا) [8] فصارت رقة الفؤاد ولين القلب هي المرجع الأخلاقي للإنسان الحكيم.

وقولهم: الحكمة هي: (ضبط النفس والطبع على هيجان الغضب) [9] .

وقولهم: (الحكمة هي المواضع) .

(1) البخاري في المناقب (168/ 8) ومسلم رقم (2399) عن عمر موقوفًا.

(2) البخاري في الإيمان ومسلم (31) في الإيمان أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) البخاري (411/ 7) ومسلم رقم (1768) عن أبي سعيد.

(4) مسلم رقم (1066) موقوفًا علي علّي رضى الله عنه.

(5) راجع قصته من سيرة ابن هشام (162/ 4) .

(6) قطعه من حديث طويل أخرجه البخاري (329/ 5) .

(7) تماثل في أسلوبها ما يطلق عليه الآن حرب العصابات.

(8) سبق تخريجه رقم (7) .

(9) تاج العروس للزبيدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت