حيث سيكون المسلم الحكيم برقة القلب ولين الفؤاد متجهًا نحو تحقيق غايته بروح المسالمة والمصالحة.
وسيكون بضبط النفس والبعد عن الغضب في حماية من أي تفكير انفعالي أو قرار انتقامي أو أسلوب أهوج ...
أما صفة التواضع فهي أهم الصفات الأخلاقية التي سنخرج بها من مرحلة الفتنة، حيث أنها صفة الباحث عن الحق.
وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكبر هو بطر الحق وغمط الناس) [1] والكبر هو الصفة المقابلة للتواضع ولذا لزم التركيز على هذا الخلق في تحديد دلائل الحكمة.
ومن هنا كان الربط بين التواضع والحكمة في قول الله عز وجل: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا 37 كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا 38 ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا) [سورة الإسراء الآيتان: 37 - 39] .
وكما قررنا في تحديد معنى الربانية أن أي مفارقة أو تناقض بين الإنسان وطبيعة المنهج تنشئ (الخطأ) في الفهم، نقرر أن أي مفارقة أو تناقض بين العلاقات الإنسانية في مجال الدعوة هي التي تنشئ (الخلاف) .
لما كان التواضع هو الشعور الشرعي عند المسلم بذاته وبغيره من المسلمين أصبح يمثل الأساس الأول في مهمة إنشاء العلاقة الفكرية الصحيحة في مجال الدعوة.
وإذا كانت كل صفات الحكمة تحقق في النهاية صفة التواضع فإن ما يحفظها بعد تحقيقها عدة وصايا أهمها:
كراهية المدح وفيه جاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احثوا في وجوه المداحين التراب) [2] حتى لا يكون للمادح أي تكريم أو تقدير في نفس من يسمع المداح، لأنه بمقدار تكريم المادح يكون نقص من يسمع مدحه.
وقد جاء في باب ما يكره من التمادح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال لرجل يمدح أخاه (ويحك، قطعت عنق صاحبك) [3] .
ولقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أدني تجاوز للشعور بالنفس حتى أنه عندما سمع رجلًا يطرق الباب فقيل له من؟ فقال: أنا، فعرف الغضب في وجه رسول الله، وقال: (أنا أنا) [4] فأصبح من صفة التواضع أن الإنسان يعرف الناس بنفسه ولا يفترض أن أحدًا يعرفه دون أن يعرف هو بنفسه.
وحب التميز في الإنسان هو المدخل إلى الكبير، ومعالجة هذا الخطر تتحقق بتوجيه حب التميز إلى الآخرة ودليل تلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير في اليوم مائة مرة كانت له حرزًا من الشيطان، ولم يأت أحد يوم القيامة مثله إلا رجل زاد عليه) [5]
كما تتحقق الحماية من حب التميز بأن تقرن الأمور التي يري فيها الإنسان تميزًا بمسئولية ذلك التميز مثل ميزة الإمارة التي قال فيها رسول الله عليه وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) [6] وقال: (إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيها) [7] .
(1) مسلم في الإيمان رقم (91) عن ابن مسعود.
(2) مسلم رقم (3002) من حديث ابن عمر.
(3) البخاري (274/ 5) ومسلم رقم (3000) عن أبى بكرة.
(4) البخاري (35/ 11) ومسلم رقم (2155) من حديث جابر.
(5) البخاري (125/ 13) ومسلم (2691) عن أبي هريرة.
(6) البخاري (25/ 13) عن أبي هريرة.
(7) ومسلم رقم (1825) في الإمارة عن أبي ذر.