الصفحة 3 من 52

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) [1] ، وفيه دليل على أن الحكمة كذلك تكون بالتعلم.

كما جاء في هذا الجانب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يماني والحكمة يمانية) [2] وفيه دليل على ارتباط صفة الحكمة بالتكوين الإنساني من خلال صفات أخلاقية محددة.

والعلاقة بين الحكمة والإنسان من خلال قدر الله بإيتائها للأنسان واكتسابها بالتعلم والاستعداد بالطبع الأخلاقي هو الجانب الثاني من جوانب هذا المفهوم.

الجانب الثالث: وفيه جاء تعريف الحكمة: بأنها العدل في القضاء.

كما جاء أنها التجربة، حيث جاء في تعريف الإمام الزبيدي: (قولهم رجل حكيم أي رجل أحكمته التجارب) وقد اتفق التفسير الشرعي مع المعني اللغوي في هذين الأمرين حيث ورد في معنى الحكمة أنها القضاء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) [3] .

كما ورد أن الحكمة هي التجربة في قول رسول الله عليه وسلم: (لا حليم إلا ذو عثره ولا حكيم إلا ذو تجربة [4] .

ثم يضاف إلى هذين الأمرين أمر ثالث وهو إجماع المفسرين على أن الحكمة هي السنة.

وبذلك تكون الحكمة قد جاءت بمعني القضاء والتجربة والسنة.

وبالنظر في هذه الأمور الثلاثة نجد أنها تتفق في أصل واحد وهو (الواقع) .

حيث أن القضاء هو حكم في (واقع) معلوم.

وأن التجربة هي حقيقة مستنبطة من (واقع) مشاهد.

وأن السنة هي (واقع) تطبيق القرآن.

وقد جاءت علاقة الحكمة بالواقع بصفة مباشرة في تعريف الحكمة مثل قولهم:

(هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بمقتضاها) [5] وقولهم: أن الحكمة هي (علم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية) [6] .

وارتباط الحكمة بالواقع هي الجانب الثالث من جوانب المفهوم.

الجانب الرابع: وفيه جاء قول الله عز وجل: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) [سورة القمر الآية: 5] ، وبالغة تعني أنها تبلغ منتهاها وغايتها.

كما جاء في تعريف الحكمة عن الحسن بن علي أنها: (الحق في المعني ... والغاية في الإشارة) .

وقد عرف ابن القيم الحكمة بما يؤكد معنى الغاية وذلك في قول الله: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) [سورة القمر الآية: 5] ، وقوله: (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [سورة النساء، الآية: 113] ، وقوله: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [سورة البقرة، الآية: 269] حيث قال: (الحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح وسمي الحكمة لأن العلم والعمل قد تعلقتا بمتعلقاتها وأوصلا إلى غايتها وكذلك لا يكون الكلام حكمة حيى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة فيكون مرشدًا إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة) .

وواضح من التعريف علاقة مفهوم الحكمة بمعني الغاية.

وارتباط مفهوم الحكمة بمعني الغاية هو الجانب الأخر من جوانب المفهوم.

(1) متفق عليه: البخاري في العلم (165/ 1) ، ومسلم رقم (816) عن ابن مسعود.

(2) متفق عليه: البخاري في المغازي (99/ 8) ، ومسلم رقم (52) في الإيمان عن أبي هريرة.

(3) مرّ قريبا وأوله: لا حسد إلا في اثنتين.

(4) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (26/ 2) وأحمد في مسنده (69/ 3) ، والترميذى في البر والصلة رقم (2033) وقال (حسن غريب) . والحاكم (293/ 2) وصححه ووافقه الذهبي! وابن حبان (208/ 1) .

(5) تعريف الإمام الزبيدي في كتاب تاج العروس.

(6) تعريف صاحب النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت