الصفحة 4 من 52

وبعد التحديد المجرد لجوانب مفهوم الحكمة من خلال علاقته بالشرع و الإنسان والواقع والغاية ... يكون التعريف العام بها بعد ارتباطها بمفهوم الدعوة، أنها (حاسة الصواب ... الكامنة في كيان الداعية محددة له في واقع الدعوة ... سبيل الوصول إلى الغاية) .

حكمة الدعوة:

واضح من تعريف الحكمة أنها مفهوم واقعي عن أصل شرعي يستحيل تحقيقه في فراغ عملي أو إصدارة عن عقل بشري.

و لذلك فإنه مما يتنافي مع مفهوم الحكمة أن يكون هناك أي إضافة فكرية إلى هذا الفراغ العملي الذي تعيشه الدعوة باعتبار أن هذه الإضافة الفكرية تضخيم لفتنة الفكر القائمة بالظهور النظري للاتجاهات والمناهج، في غيبة الواقع الصحيح الذي يعتبر مقياسًا أصليًا في تحديد المنهج الصحيح للعمل.

ومن هنا كان إنشاء الواقع الصحيح هو الخطوة الأولى في تحقيق معنى الحكمة.

و لذلك يحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحكمة ابنة الواقع فيقول:

(الإيمان يماني والحكمة يمانية) [1] فوصف الحكمة بأهل اليمن، فجعل الواقع بذلك هو الأصل، والحكمة موصوفة به، مما يؤكد أنه لا وجود للحكمة إلا بالواقع. ولذلك يضرب رسول الله عليه وسلم مثلًا لواقع الحكمة بالا شعريين وهم أهل اليمن.

فقال صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف أصوات رفقه الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو. قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) [2] .

وقد ورد في هذا الحديث عدة أقوال منها أن حكيم اسم رجل معين وهذا قول بعيد، والأقرب أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو العدو ... ) .

أن هذا مثل تطبيقي لمقتضى الحكمة وهو أن الوصول إلى مرحلة القتال لا يكون إلا بعد استنفاد أقصي طاقات التأني وهو المقصود بكلمة (أن تنظروهم) وهذا يعني أن قول رسول الله مقصود به ظاهرة سلوكية ناشئة في الواقع عن طبيعة الحكمة في أهل اليمن.

فالواقع الصحيح مقياس للحق ودليل ذلك هوالتعبير القرآني عن الخطأ الشرعي باستحالة الحدوث في الواقع كما في قول الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [سورة المجادلة، الآية: 22] .

فالأصل في الآية أنها نهي عن مودة الكافرين، ولكن هذا النهي جاء في صيغة استحالة الحدوث (لا تجد) لأن المنهي عنه شرعًا مستحيل حدوثه في الواقع الصحيح.

و الواقع الصحيح دليل للإثبات الشرعي، ولذلك كان الإمام مالك يعتبر عمل أهل المدينة باعتبارهم الواقع الصحيح أقوي إثباتًا للأحكام من الأحاديث الصحيحة إذا كان هناك خلاف بين الاثنين - الواقع والنص - [3] .

والواقع الصحيح أصل في حجة الله على الكافرين ولذلك يدحض القرآن حجة الكافرين بواقع الإستجابة.

(وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) [سورة الشورى الآية: 16] .

(1) سبق تخريجه رقم (7) .

(2) متفق عليه: البخاري (485/ 7) ، ومسلم رقم (2499) عن أبي موسى

(3) يراجع كتاب (صحة أصول مذهب أهل المدينة للإمام ابن تيميه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت