الصفحة 35 من 52

والبدء بتبليغ كلمة لا إله الله يقتضي تقييم الواقع الإعتقادي الذي سنتجه إليه بالتبليغ. لأن هذا التقييم هو الذي سيتحدد به قضية البدء بصورتها المباشرة، فإذا كان الواقع الذي سنتجه غليه بالتبليغ أهل الكتاب مثلًا كان البدء بتبليغ كلمة لا إله إلا الله مع تحديد المدلول الصحيح للكلمة بما ينفي أي انحراف لمدلول اللفظ عندهم.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فو الله ما سمع به يهودي ولا نصراني إلا شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن عيسي عبد الله ورسوله وأن العزير عبد الله ورسوله، إلا أدخله الله الجنة) [1] .

ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يعطي تقييمه للواقع الذي سيوجه إليه الدعوة قبل أن يبعث الدعاة، ويقول: (إنك ذاهب إلى أهل كتاب ... ) وهكذا.

والبدء بتبليغ كلمة لا إله إلا الله سيمثل أعمق بعد اعتقادي يسهل بتحقيقه اعتناق كل أصول الدعوة، ولهذا لما جاء المشركون إلى أبي بكر الصديق وقالوا أن صاحبك قد زعم أنه أسري به. فقال: (لو قال ذلك فقد صدق، لقد صدقته في أكبر من ذلك) [2] وهذا يعني أن التصديق في الحقيقة الكبيرة يفتح طريق التصديق أمام الحقائق الأخرى في نفس الإنسان.

وبعد تحديد نظام التبليغ بالاعتبار المنهجي، تبقي إضافة في هذا التحديد بالاعتبار العلمي وهي أن الدعوة قد تقتضي عمليًا الدخول في مواجهة مع الجاهلية من خلال أي قضية غير قضية التوحيد وعندئذ يكون الموقف الإسلامي، هو قبول المواجهة حتى لا يعطي الرفض صورة العجز عنها، وقد وضحت هذه الحقيقة عندما سأل اليهود نبينا عليه الصلاة والسلام عن الروح، ولم ينزل الوحي، فحزن النبي حزنًا شديدًا وقالت اليهود ذهب عنه شيطانه رغم أن سؤال الروح لم يكن داخلًا في حد الإسلام، ولكن تأخر الإجابة هو الذي أحزن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحزن الشديد، غير أن قبول المواجهة يكون بعدة اعتبارات أهمها:

الحذر من أن تتضمن المواجهة في غير قضية حد الإسلام إقرارًا ضمنيًا لما عليه أصحاب الجاهلية من بطلان في الاعتقاد، وذلك بتأكيد أن المواجهة مدخل إلى الإسلام وليست داخلة في حد الإسلام. كذلك الانتباه غلي الهدف الجاهلي إلى جر الفكر الإسلامي إلى قضايا تصرف بها العقل الإسلامي عن فكر المواجهة الصحيح، وذلك بأن تكون المواجهة بالقدر الذي يثبت قدرة الفكر الإسلامي على مواجهة أي قضية.

ج) الأسلوب المباشر في التبليغ:

-المخاطبة بقدر العقل ... وهو مبدأ متفق على ضرورته والمقتضي العام للمخاطبة بقدر العقل هو البساطة والوضوح ولذلك قال علي ابن أبي طالب: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وعنه أيضًا: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).

ولذلك يعتبر معاذ بن جبل رضى الله عنه: أن أي كلمة غير واضحة المعني تكون مجانبة لمعني الحكمة: وزيغ عنها. فيقول كما روي أبو داود: [3]

وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ... قال قلت لمعاذ ما يدريني (رحمك الله) أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة ... قال بلي: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه ... قال ابن إسحاق عن الزهري قال: بلي ما تشابهه عليك من قول الحكيم حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة ... ).

(1) متفق عليه: البخاري (474/ 6) ومسلم رقم (29) عن عبادة بن الصامت.

(2) أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة سمعت جابرًا يقول أنظر الفتح (199/ 7) . وله طريق أخر عن معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة أنظر ابن كثير (275/ 4) .

(3) أخرجه أبو داود في كتاب السنة (363/ 12) من طريق يزيد بن عميرة عن معاذ موقوفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت