ولعلنا نلاحظ خطورة الكلمة غير الواضحة المعني من وصفها بكلمة الضلالة ولكن إدراك الصورة التطبيقية لهذا المبدأ هو الذي سيعطيه قيمته. وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي توضح لنا الملامح الصحيحة في التطبيق.
-فعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. فيقول له رسول الله: (قل أمنت بالله ثم استقم ... ) [1] .
فدل السؤال على أن أسلوب التفكير عند السائل هو التفكير الكلي فاتفقت الإجابة مع الأسلوب.
-بينما يأتي سائل آخر - بغير أسلوب هذا السائل - فيقول للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أي العمل افضل؟ قال: (الصلاة على وقتها) قيل: ثم أي؟ قال (بر الوالدين) قيل: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) فيقول السائل: ولو استزدته لزادني [2] ... وهذا دليل على تجاوب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السائل في أسلوب تفكيره التحليلي والمتأني.
-ويأتي أعرابي آخر تقول الصحابة فيه: (يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول) [3] وهذا طبيعة السائل. فيقول: (يا محمد ماذا فرض الله على في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات إلا أن تطوع. قال: ماذا فرض الله على في العام؟ قال: صيام شهر إلا أن تطوع. قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال: أفلح أن صدق، أو دخل الجنة أن صدق) (متفق عليه) .
وواضح من طبيعة السائل كما وصفتها الصحابة، والأسلوب الذي سأل به ... عنصر السرعة
وواضح كذلك تجاوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرعة الإجابة التي لاحقت كل أسئلته.
-بينما يأتي سائل آخر بغير الأساليب السابقة ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم. فيقول: (أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا يوحي إليه، وسكت الناس كأن على رؤسهم الطير، ثم إنه مسح عن وجهه الرحضاء، فقال: أين السائل آنفا؟ وخير هو(ثلاثا) إن الخير لا يأتي إلا بالخير وأنه كما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم كلما أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت) [4] .
ولعلنا نلحظ عمق الإجابة بما يتفق مع عمق السؤال وخصوصًا عندما نحاول تفسير هذه الإجابة ... ومضمونها أنه مثلما ترعي بقرتان (مما ينبت الربيع) ، فرعت واحدة وأكلت بصورة خاطئة فحبطت، وماتت، ورعت الأخرى وأكلت بصورة صحيحة، ثم (استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رعت) .
فإن هذا يعني أن مأخذ البقرة الأولى (لما ينبت الربيع) هو الذي قتلها.
ومأخذ البقرة الثانية (لما ينبت الربيع) هو الذي أفادها. ولكن (ما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم) .
وعلى هذا كانت الإجابة: (أن الخير لا يأتي إلا بالخير) ولكن مأخذ الناس للخير بصورة خاطئة هو الذي ينشئ الشر.
ومع المخاطبة بقدر العقل تأتي أساليب أخري لها نفس القيمة والأثر، منها أسلوب الإثارة العقلية الذي تنشط به طاقة التفكير عند الإنسان لفهم الإسلام.
ومثال هذا الأسلوب من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
قوله: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي!) قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي) [5]
وقوله: (من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه!) ، قالوا: كيف يسب الرجل أباه يا رسول الله؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه ويسب أمه) [6] .
(1) رواه مسلم رقم (38) عن سفيان بن عبد الله الثقفي.
(2) سبق تخريجه رقم (34) .
(3) أخرجه البخاري (106/ 1) ومسلم رقم (11) عن طلحة بن عيد الله.
(4) أخرجه البخاري (244/ 11) ومسلم (1052) عن أبي سعيد.
(5) أخرجه البخاري (349/ 13) عن أبي هريرة.
(6) أخرجه البخاري (403/ 10) ومسلم رقم (90) عن ابن عمرو.