الصفحة 37 من 52

وقوله: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا!) ، قالوا: هذا ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: (رده عن مظلمته، فإن ذلك نصره) [1]

وهذه الأمثلة توضح عنصر التعجب من عناصر الإثارة العقلية ... يأتي معه عنصر التساؤل الذي يعطي السامع فرصة المبادرة في التفكير.

ومثال هذا الأسلوب من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: قوله: (مثل المؤمن كشجرة من شجر البوادي لا يسقط ورقها) [2] .

قال عبد الله بن عمر: (فوقع الناس في شجر البوادي. فهممت أن أقول هي النخلة ولكن استحييت لأني كنت أصغر القوم سنًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة، فقال عمر بن الخطاب: لئن قلتها لكان أحب إلى من كذا وكذا) .

وقوله: (سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب) ثم ترك المجلس فقال الناس: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام، وقالوا: لعلهم لم يسجدوا لصنم، وأخذوا يقولون حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلي ربهم يتوكلون) [3] .

ومن الحكمة في أسلوب التبليغ بالكلمة ... أساس الارتكاز على الطبيعة الإنسانية في المخاطبة، وهذا الأساس هو الذي يحقق من هذه الطبيعة أقصي إمكانية اقتناع بالحق.

فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرتكز على الإحساس الطبيعي بالغربة عند الإنسان، ليؤكد غربة الإسلام فيقول: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) . قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (الذين يصلحون عند فساد الناس) [4] .

وكذلك الإحساس الطبيعي بالعودة بعد الغربة فيؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الرجوع إلى الله عز وجل، فيقول في دعاء الرجوع من السفر ... (آيبون ... تائبون ... عابدون. لربنا حامدون) [5] .

كما يركز رسول الله صلى الله عليه وسلم على إحساس الإفلاس وهو إحساس بالحسرة، فينقل الرسول الإحساس بالإفلاس في المال إلى الإفلاس في الحسنات يوم القيامة فيقول: أتدرون من المفلس؟ فيقولون: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ... فيقول: المفلس من جاء بحسنات مثل الجبال وكان قد ضرب هذا وشتم هذا وسفك دم هذا فأخذ من حسناته فأعطيت لهم حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار [6] .

كما يركز رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإحساس الطبيعي برحمة الأمومة ليؤكد لنا رحمة الله بعبادة.

فبعد أن وجد امرأة تحتضن ابنها وترضعه وكانت قد عثرت عليه بعد أن فقدته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تظنون أن تلقي هذه بابنها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال:(إن الله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها) [7] .

-ومن الحكمة في أسلوب التبليغ:

التناسب الدقيق بين صيغة التبليغ وموضوعة:

فإذا كان الموضوع موضوعًا غيبيًا مثلًا، فإنه يلزم في أسلوب الحديث عنصر التشبيه والمقارنة بين الغيب والشهادة.

(1) أخرجه البخاري (98/ 5) عن أنس رضى الله عنه.

(2) البخاري (229/ 1) ومسلم رقم (2811) من حديث ابن عمر.

(3) أخرجه البخاري (405/ 11) ومسلم رقم (220) عن ابن عباس.

(4) رواه مسلم رقم (145) عن أبي هريرة ولفظه: (الذين يصلحون ... ) عند الطبراني في الكبير (164/ 69) من حديث سهل بن سعد.

(5) البخاري (192/ 6) عن ابن عمر، ومسلم رقم (1344) عن ابن عمر أيضًا.

(6) أخرجه مسلم رقم (2581) عن أبي هريرة.

(7) رواه البخاري (426/ 10) ومسلم رقم (2754) عن عمر بن الخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت