ولذلك حدد القرآن الكريم الأسلوب المرحلي الذي يتم به التعامل مع النفس البشرية لتحقيق الولاء وتبدأ مراحل نشأة الولاء بمثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ لِبَعْضِ شَانِهِمْ فَاذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة النور الآية: 62] ، وهي مرحلة تتأكد فيها سلطة النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين ممثلة في قوله تعالى: (فَاذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ) [سورة النور الآية: 62] .
لتنتهي مراحل نشأة الولاء بمرحلة الولاء الكامل محددة بمثل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [سورة الأحزاب الآية: 36] .
5)الارتباط بالغاية:
ووضوح الغاية من البداية فيه تحقيق للبصيرة في الدعوة ولذلك كانت صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركون من البداية ما معنى دخولهم في الإسلام ... وما هي المراحل الحتمية التي سيخوضونها باعتناقهم لهذا الدين.
وهذا أحد الأنصار في بيعة العقبة يقول: (أتدرون على أي شيء بايعتم رسول الله؟، لقد بايعتوه على الموت) [1] فتأكد من القول أن وضوح الغاية يحقق اليقين بقدوم المواجهة. فيتحقق الاستعداد لها.
والاستعداد والرغبة في المواجهة يوازي في قيمته المواجهة ذاتها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغْزُ ولم تحدثه نفسه بغزو مات ميتة جاهلية) [2] .
ووضوح الغاية يحقق كذلك الشعور بالشوط الذي قطعه الداعية في طريق التحقيق لتلك الغاية. وبالتالي فإن هذا الشعور يقوي فيه إرادة الاستمرار وعزم الوصول.
وهذه طبيعة إنسانية ارتكز عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقع الدعوة.
وهذا موقف يثبت ذلك ... عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في سرية لترصد عير قريش كتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ولما فتح الكتاب وجد فيه: (إذا نظرت في كتابي فأمض حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم ولا تكره أحدًا ممن معك) ، فقال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه كلهم بذلك وبأنه لا يستكرههم فمن احب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم) [3] .
وواضح من الحديث أن المهمة كانت خطيرة ... وأنها تتطلب عزما وإرادة.
ولذلك لم يخبرهم الرسول بها حتى يقطعوا شوطًا منها وهو مسيرة يومين ليكون قطع هذا الشوط عونًا لهم في إرادة الاستمرار لتحقيق الهدف والغاية.
وهذه حقيقة فطرية تتحدد بها قيمة الإحساس بالشوط المقطوع في طريقنا لتحقيق هدفنا وغايتنا، والارتباط بالغاية من الناحية العملية يعني أن تكون كل الوسائل والإمكانيات مشدودة إلى تحقيق تلك الغاية فلا تشذ وسيلة عن اتجاهها ولا تتحول وسيلة في ذاتها إلى غاية.
(1) البخاري (117/ 6) عن ابن عمر. وعن سلمة بن الأكوع في الجهاد باب البيعة في الحرب.
(2) رواه مسلم رقم (1910) عن أبي هريرة.
(3) أخرج هذه القصة الإمام أحمد في المسند (178/ 1) من حديث سعد بن أبي وقاص.