الصفحة 7 من 52

وكذلك فهناك حقيقة تؤكد أثر العقل والفكر على القلب والإحساس ومنطوقها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) [1] .

ولكن التآلف الذي يتطلبه قيام الجماعة لا يقل عن الحد الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد - من قريب ومن بعيد - بالسهر والحمي) [2] .

وكان هذا الحديث هو الواقع الذي عاشه المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا رسول الله ومعه أبو بكر في طريق الهجرة يشتد عليهما الحر ويصيبهما الجوع فيذهب أبو بكر ليبحث عن ظل لرسول الله فيجد ظلًا لا يكفي غير واحد فيهيئه لرسول الله ويجلسه فيه ثم يذهب ليبحث عن طعام فيجد راعي غنم فيستأذنه في شيء من اللبن ويذهب به إلى رسول الله ثم يقول:

فشرب رسول الله حتى (ارتويت) وفي رواية حتى (رضيت) [3] .

وهذا أبو هريرة يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له: يا رسول الله، أذكر لي آية الإنفاق، فيضحك رسول الله ويقول له: (انك جائع يا أبا هريرة ويعطيه لبنا) [4] .

رسول الله يشرب وأبو بكر يرتوي ويرضى.

ويجوع أبو هريرة ويشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد قيام الجماعة بالتآلف، والمواجهة مع الجاهلية، تنشأ عوامل أخرى تزيد من التآلف وتعمق الترابط.

وأبرز تلك العوامل هو الإحساس بالخطر الذي يحيط بالجماعة.

وقد انصهرت بهذا الإحساس مشاعر المهاجرين والأنصار في بوتقة الشدة التي بلغت أقصاها في غزوة الأحزاب، ولذلك يثبت القرآن الكريم أن قيام العلاقة الإسلامية الكاملة كان نتيجة طبيعية لمعايشة تلك المحنة.

فيصور لنا تلك العلاقة بخلفية الأحداث التي عاشها المهاجرون والأنصار في مواجهة خطر الأحزاب ثم يجعل هذه العلاقة التي عمقتها المحنة عمقًا للعلاقة الإسلامية على امتدادها التاريخي وإلى قيام الساعة.

فجاء في سورة الحشر: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [سورة الحشر الآية: 2]

ثم يقول: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [سورة الحشر، الآية: 9، 8]

(1) أخرجه أبو داود (364 365/ 2) والنسائي (89 - 90/ 2) من حديث البراء بن عازب وسنده صحيح.

(2) متفق عليه: البخاري في الأدب (438/ 10) ، ومسلم في البر والصلة رقم (2586) من حديث النعمان بن بشير.

(3) متفق عليه: البخاري في المناقب (622/ 6) ، ومسلم في الأشربة (2009) عن البراء وانظر صحيح مسلم (2309/ 4) .

(4) البخاري في الرقاق (281/ 11) من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت