ثم يقول: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [سورة الحشر الآية: 10] .
وفي سورة الأحزاب؛ يحدد القرآن الأسس الشرعية التي تنتظم بها العلاقة بين المؤمنين، ولكنه يذكر بعد تلك الأسس عمق المحنة الذي قامت به تلك العلاقة أصلًا، فيقول: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) [سورة الأحزاب الآية: 6] .
وهذه هي الأسس، ثم يقول بعدها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) [سورة الأحزاب الآيتان: 10، 9] .
وفي الواقع الإيمان الصحيح لا تؤثر نتائج المواجهة ولا تغير مشقاتها في حقيقة الحب والتآلف الذي قامت عليه الجماعة.
فلا يشعر فرد أن الجماعة هي التي جرت عليه هذا الأذى. وقد أثبت لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة عندما بعث رجلًا من الصحابة ليبحث عن رجل بين القتلى في إحدى الغزوات فوجده في لحظات الموت. فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام. فقال الرجل: اقرىء مني رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ السلام، وقل له جزاك الله عنا خير ما جزى نبي عن أمته [1] .
وهذا شعور رجل مقتول نحو رسول الله الذي دعاه للقتال يقرئه السلام ...
ويدعو الله أن يجزيه عنه خير ما جزى نبي عن أمته.
وبهذا التآلف تحقق الاتفاق التلقائي بين مواقف الصحابة في أدق المواقف وأخطرها، فبهذا التآلف علم عمر أن قتل مانعي الزكاة حق عندما وجد أن صدر أبي بكر قد شرح لقتالهم، ولذلك يقول: (فما أن وجدت أن صدر أبي بكر قد شرح لقتالهم حتى علمت أنه الحق) [2] .
وبهذا التآلف اتفق عمر في كل ما أراد أن يقوله أبو بكر في سقيفة بني ساعده تلقائيا، وذلك عندما اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة لاختيار الخليفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد عمر أن يتكلم فمنعة أبو بكر وتكلم هو. فقال: عمر: (فوالله ما ترك كلمة كنت أريد أن أقولها إلا قالها) [3] .
(1) الصحابي الذي كان في لحظات الموت هو: سعد بن الربيع الأنصاري والذي جاءه هو: أبي بن كعب انظر أسد الغابة (348/ 2) .
(2) متفق عليه: البخاري في الزكاة (262/ 3) ، ومسلم في الإيمان رقم (20) عن أبي هريرة.
(3) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة (19 - 20/ 7) من حديث عائشة رضى الله عنها ولكن ليس فيه جملة (ما ترك كلمة ... ) إنما فيه: ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس. وعن ابن عباس رواه في الحدود (144 - 145/ 12) مطولًا.