وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم حب الصحابة له دليلًا على الولاء عندما قال المتحدث عن قريش في معاهدة الحديبية: (اجئتنا برعاع الناس، ما أراهم إلا تاركيك ومنفضين عنك [1] .
وقصة ضوءه صلى الله عليه وسلم وإبتدار أصحابه له ورجوع المتحدث - وهو عروة بن مسعود - وقوله ما رأيت ملكًا قط مثل محمد في أصحابه هو من تمام الحديث.
فما أن توضأ رسول الله عليه وسلم حتى أخذت الصحابة بقية وضوئه تتمسح به وما أمرهم أمرًا إلا ابتدروا أمره.
فرجع المتحدث عن قريش يقول: (لقد رأيت الروم وقيصر ... ورأيت الفرس وكسري ما وجدت قومًا يعظمون ملكهم كما يعظم أصحاب محمد محمدا وأري أن تصالحوه) .
نهاية الفتنة الفكرية:
وبقيام الجماعة ينشأ الواقع الصحيح للفكر، لأن الجماعة هي الواقع الشرعي للتلقي، والمنظم الدقيق للفكر، والحاكم الرشيد للعقل، والحماية الحقيقية من الخطأ.
وبقيام الجماعة يصبح بقاؤها والحفاظ عليها أولي مبدئيًا وعمليًا من محاولة الاتفاق على أي أمر طالما تحقق الاتفاق على الأصل الذي قامت به الجماعة.
حتى لا يترتب على تلك المحاولة انشقاق في كيان الجماعة التي قامت.
ودليل هذه الحقيقة هو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان المسلمون على أمر رجل واحد وجاء من يشق عصاهم يكون الصواب هو قتل هذا الثاني [2] .
حيث لن يكون لحقه قيمة في مقابل قيمة الجماعة الواحدة والمحافظة عليها.
ودليل آخر هو الأمر بترك المراء مه الاعتقاد بأن ما عند الفرد وما يريد إثباته هو الحق، وذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق) [3] .
حيث يتضح من الحديث أن ترك المراء وهو من أخطر أسباب التفرق هو الأمر الواجب.
ولو كانت محاولة الاتفاق على أي أمر أولي من المحافظة على العلاقة بين أفراد الجماعة لما كان هناك أمر بترك المراء رغم الاعتقاد بأن المراد إثباته هو الحق لأن الحديث يقول: (لمن ترك المراء وهو محق) .
ولذلك يجب أن تتحدد العلاقة بين الرأي الفردي ورأي الجماعة بما يضمن الاستفادة من فكر الفرد مع تفادي خطر الرأي الفردي على الاتفاق الجماعي.
أساس هذه العلاقة هو حق الفرد في إبداء رأيه، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة ... الدين النصيحة ... الدين النصيحة ... قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) [4] .
بشرط أن تنتهي علاقة الفرد برأيه بمجرد الإبداء فلا يعجب به بعد إبدائه حيث أن هناك نهيًا عن الإعجاب بالرأي.
ونصه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من علامات الساعة ... شح مطاع ... وهوي متبع ... واعجاب كل ذي رأي برأيه) [5] .
(1) أخرجه أحمد في مسندة (323 - 324/ 4) في قصة طويلة من حديث السور بن محزمة ومروان بن الحكم وفيه: أنهم بعثوا إلي النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فأتي رسول الله فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها ... الحديث. وسنده صحيح.
(2) مسلم في الإمارة رقم (1852) والآخرة رقم (1853) عن أبي سعيد ونصه (من أتاكم وأمركم جميع علي رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه) والحديث الآخر (إذا بويع لخليفتين في الأرض فاقتلوا الأخير منهما) .
(3) حسن: أخرجه أبو داود (156/ 13) عن أبي أمامه وفيه أبو كعب أيوب بن محمد السعدي لا يعرف وللحديث شواهد يرتقي بها إلي الحسن أو الصحة.
(4) أخرجه مسلم من حديث تميم الداري رقم (55) في الإيمان.
(5) أخرج الترميذي في التفسير (3058) وأبو داود (493/ 11) وابن ماجة رقم (4014) والبغوي في شرح السنة (348/ 14) من حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا.