أنفسهم فيخرجون من تلك القافلة المسكينة الموغلة في التيه وصحراء الفشل وضياع الجهود.
وكثيرًا ما يندفع اليائس من واقع متحجر إلى هجر كل ما كان قديمًا، خالطًا أيضا بين تراث فكري ثر لا غنى عنه لكل حركة تجديد، وبين أساليب استهلكت ويجب خلعها وينطلق هو الآخر مرتكبًا خطأً لا يقل خطرًا عن خطر المتحجرين، إذ ينبت من كل فكر وطرح ونظرية ليسلك درب العملية بزعمه. تلك العملية التي لا تستند لفكرة ولا نظرية في التطبيق والعمل. وهكذا يولد واقع مريض آخر هو عمل بلا أرضية ولا جذور، يندفع أيضًا في ظلام تيه جديد في شراذم غالبًا ما يغوص أصحابها المخلصون في دمائهم ودماء غيرهم.
ولكن إلى متى يبقى هذا الواقع المرير: تشرذم العمل الإسلامي بين نظرية مجردة تتحرك كجسد ضخم يمشي على أرجل من فخار، وبين أرجل تعدو بجسد هزيل بلا رأس؟!
نعتقد أنه قد آن الأوان ليقف منصفًا مفكرًا أمام نفسه وتجاربه وتجارب غيره من المسلمين لإنهاء هذا الطلاق النكد بين الفكر النظري والعمل الجهادي، لاستخلاص تصورات عملية تستند إلى قاعدة ثمينة من التراث الفكري والتاريخي الهائل، متحركة بأساليب مجددة تناسب واقعًا قائمًا في منطقة محددة، ولابد من الاعتراف هنا بواقع مرير ناتج عن مرحلة الاستعمار القديم والحديث بكل أبعاده العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية والذي فرض ظروفا متباينة إلى حد مرعب بين بقاع العالم الإسلامي، وفرض عليها تلك الحدود المصطنعة التي غدت واقعًا قائمًا لا فائدة من نسيانه وتجاوزه، هذا الاعتراف لابد وأن يقودنا- مادمنا في نطاق العقل والمنطق- إلى اعتراف آخر يفيد بأن طروحات عملية تولد في مكان ما لابد وأن تكون مناسبة لواقعها وابنة شرعية له، ولا يعني هذا بالضرورة أنها